جان لوئيس بوركهارت

225

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

كثيرا من النسوة يسكن أكواخا حقيرة في شتى أحيائها ، وهن على استعداد لطحن الذرة وخبزها على الفور لقاء أجر زهيد . ومن عادات القوم الراسخة ألا يأكل أحدهم في السوق أو على ملأ من الناس ، بل ليس من حسن الأدب عندهم أن يرى الرجل يلوك طعاما بعد خروجه من عتبة بيته ، وعلة هذا ما وقر في ذهن القوم من أن الأكل قد يتطلع إليه إنسان جائع فيحسده على اللقمة التي يأكلها ، وهم يقولون « الطعام المحسود ما فيه بركة » . ولهذا السبب عينه تجد أحقر الفلاحين من المشارقة لا يتناول غذاءه من الخبز والبصل إلا بعد البسملة ودعوة كل عابر ليشاركه طعامه ، وهو يحسبه فضلا منك أن تشاركه لقمة من رغيفه ، وإهانة أن ترفض دعوته صامتا ، فهو ينتظر منك على الأقل إذا لم تشأ أن تشاركه طعامه ، أن تقول له « هنيا » جريا على عادة أهل البلاد . أما في تركيا فهذه العادة غير مرعية ، والناس هناك يأكلون في الأسواق وأمام بيوتهم . وكثيرا ما كنت أشترى اللبن من سوق شندى في الصباح الباكر ثم أخلو إلى نفسي في كوخ مجاور لأشربه ، ولكن هذا كان يكلفنى حفنة من الذرة أنفح بها صاحبة الكوخ لقاء إذنها لي بدخول كوخها . النبغ . إن تجار التجزئة الذين يبيعون التبغ منبثون في جميع أنحاء السوق . ويدمن القوم التدخين عند تذوقهم التبغ ويعدونه ترفا . على أن شغفهم به لا تخالطه صفاقة أهل بربر الذين يأخذون قصبتك من بين شفتيك ليدخنوها . أما الفقراء فلا يدخنون قط . وأجود أنواع التبغ ما يستورد من سنار ، واسمه التابه ، وإذا جف استحال لونه أخضر داكنا ، وشابه التبغ المزروع في جبال البطراء مذاقا وشكلا . كذلك تستورد من سنار قصبات التدخين والمباسم من الفخار . ويمزج الكثيرون النطرون بالتبغ قبل أن يمضغوه . أما السعوط أو النشوق فشائع الاستعمال ، ويصنعونه بسحق التبغ دقيقا وخلطه بثلث مقداره نطرونا . وعلب النشوق هي جوزات هند صغيرة مجلوبة من سنار ، أو قرعات صغيرة جدا . وهم كأهل الحجاز يضعون النشوق على ظفر إبهامهم لا بين السبابة والإبهام . ويحمل تجار سواكن الجمال الكثيرة تبغا ليبيعوه في أسواق جدة واليمن . ولأهل هذه البلاد عادة في التدخين لا تجدها