جان لوئيس بوركهارت

215

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

ولكنه في واقع الأمر مستقل كل الاستقلال إذا استثنيت ما يؤديه من إتاوة عند ارتقائه عرشه وما يرسل للملك ووزيره « * » من هدايا بين الحين والحين ، وهو مطلق التصرف في حكم إقليمه الذي يمتد مسيرة يومين إلى الجنوب . وقد اتصلت الحرب سنوات بين نمر وعرب الشايقية قبل أن يصل المماليك دنقلة ، فقتل الشايقية نفرا من أقاربه وأغاروا مرات على أرضه وأملاكه على ضفة النيل الغربية بفرق كبيرة من فرسانهم فتركوها خرابا يبابا . ثم اصطلح عرب الشايقية معه ليفرغوا إلى قتال المماليك قتالا مجديا ، فانقلب عليه أخوه الذي وكل إليه حكم الشاطئ الغربى وأشهر عليه الحرب ، واستمرت الحرب بينهما سجالا سنوات دون أن تنتهى بظفر أو هزيمة يؤبه بهما لأن النهر يقوم حدا بينهما فلا تستطيع عبوره من جيوشهما إلا شراذم صغيرة . وحكومة شندى أقوى من حكومة بربر ، فلملكها سلطة مطلقة لا تحد منها عصبية الأسرة القوية التي لا هم لها في هذه البلاد إلا الإخلال بالنظام ، وهو لا يلجأ إلى ما يلجأ إليه مك بربر من ابتزاز مال الغرباء ابتزازا يفزعهم من هذه البلدة ، ولعل الفضل في احتفاظه بهذه السلطة المطلقة راجع إلى تعدد القبائل العربية النازلة بشندى ، وإلى أنه ليس فيها قبيلة بلغت من القوة مبلغا يتيح لها التصدي لقبيلة المك وبطونها الكثيرة . وأكبر هذه القبائل النمراب والنافعاب والهلبون ، وجلها ما زال يحيا حياة البداوة . وطبقة التجار هي أجل طبقات الناس في شندى قدرا وأوفرها اعتبارا ، وبين هؤلاء كثير من النزلاء وفدوا عليها من سنار وكردفان ودارفور ودنقلة ، وأكثرهم نفرا هم الدناقلة ، ويشغلون حيا كاملا ولكنهم أقل هؤلاء النزلاء قدرا في عيون أهل شندى ، فهم ينعون عليهم شحهم ، وقد أصبح ولعهم بالمال مضرب الأمثال ، وزاد في تلويث سمعتهم اشتغالهم بالربا ، وهي تجارة تكاد تقتصر عليهم ، حتى إنك لو دعوت عربيا من أهل شندى ب « الدنقلاوى » لعدها منك إهانة لا تغتفر ، فالدنقلاوى هنا كالهودى في أوروبا .

--> ( * ) يقولون إن وزير سنار - وهو من أسرة غدلان - هو السيد المهيمن عليها ، أما المك فليس له من السلطلة إلا ظلها .