جان لوئيس بوركهارت

مقدمة 13

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

ويأتي العصر الحديث وتبدأ محاولات جديدة للكشف عن أسرار القارة الغامضة ، وتمر هذه المحاولات في أربعة أدوار لكل منها خصائص ومميزات . ويمتد الدور الأول من القرن الخامس عشر حتى منتصف القرن الثامن عشر ، وفيه يقوم رحالة غرب أوروبا بزعامة البرتغال بالكشف عن بقية سواحل القارة ، ويجمعون قسطا من المعلومات عن أحوالها الداخلية ، وهي معلومات تحتاج إلى تمحيص واستقصاء . ويمثل الدور الثاني أهم فصول قصة الكشف الجغرافي في إفريقية ، وقد افتتحه « بروس » برحلته التي قام بها في سنة 1868 وينتهى بوفاة « لفنجستون » ( 1873 ) بعد ذلك بمائة وخمسة أعوام . أما الدور الثالث فهو مرحلة الكشف السياسي ، ويشمل بصفة عامة الربع الأخير من القرن التاسع عشر ، ويبدأ برحلة ستانلى إلى الكنغو في سنة 1874 وينتهى بتقسيم القارة بين الدول الأوربية . ويمتد الدور الرابع حتى اليوم ، وهو يمثل مرحلة الكشف العلمي المفصل كخطوة أساسية في سبيل التطور السياسي والاقتصادي للقارة ، وهو دور بدأه الاستعمار لخدمة أغراضه وحماية مصالحه ، وجدير بإفريقية المستقلة أن تواصل السير على الدرب حتى تكشف عن شخصيتها ، وحتى تعرف بنفسها مكانها من العالم ، وحتى تستخدم إمكانياتها ومواردها في تقوية بنائها ورفع مستوى شعوبها . ( 2 ) وبركهارت من رحالة الدور الثاني وإن لم يوفق في الكشف عن مجهول من القارة ، فقد خرج من إنجلترا ليتجول في داخل إفريقية ولكنه مات وهو على الأعتاب ، وحينما بدأ هذا الدور لم يكن الأوربيون قد زاروا سوى أجزاء محدودة من القارة ، وحتى هذه الأجزاء لم تكن قد وصفت بعد الوصف الدقيق ، بل ولم يكن الساحل قد عرف كما يجب ، ولم يرسم رسما قريبا من الصواب إلا عندما قام بمسحه كابتن أوون Owen في المدة من سنة 1821 إلى سنة 1825 .