جان لوئيس بوركهارت
181
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
وأهل بربر فيما يبدو قوم صحاح الأبدان يندر بينهم معلول أو مهزول . وهواء البلدة صحى من غير شك لوقوعها على أطراف الصحراء . وذكروا لي نبأ حمى يسمونها الوردة ، يلوح أنها مرض وبائى لأنها تفتك بالمرضى في أغلب الأحيان . ويستهدف الدناقلة لهذه الحمى ، وتتفشى في الفيضان ، ولكنها لا تظهر كل عام . أما الطاعون فلا يعرفونه ، ويحملني ما جمعت من أخبار في رحلتي السابقة للنوبة على الاعتقاد بأن هذا الوباء لا يتجاوز شلال أسوان . أما الجدري فيفتك بالقوم فتكا ذريعا حيثما حلّ ، وقد جاءهم خلال مجاعة العام الماضي فكان ضغثا على إبالة ، وازداد عدد الضحايا زيادة كبيرة . وقد جلبه إلى بربر قوم من التاكة نقله إليهم تجار سواكن . ثم انتشر في أعالي النيل طولا وعرضا ، وكان يصاب به الكبار والصغار على السواء ، بل إنه في الصغار كان أخف وطأة وأسلم عاقبة . وشفى من المصابين به ثلثهم ، ولكنهم ظلوا يحملون سماته على جلدهم ، فكنت ترى أذرعهم ووجوههم تكسوها البقع والندوب التي لا حصر لها . وقل أن يعير الوباء غارة خفيفة يترفق فيها بوجوه ضحاياه فلا يشوهها . والتطعيم أو « دق الجدري » معروف في هذه الأرجاء ، ولكنهم لا يقبلون عليه لأنهم ضعيفو الثقة في جدواه ، فإذا دقوا ففي الساق غالبا . وقد فتك الجدري في شهور قليلة باثنين وخمسين شخصا من أسرة تمساح التي ضيفتنا . وأنبائى بعض التجار بالقاهرة وأنا أكتب هذا ( في ديسمبر 1815 ) أن وباء آخر قد ظهر هناك فأهلك الأسرة كلها تقريبا ومنهم إدريس نفسه . وعلاح الجدري عندهم أن يدهن الجسم كله بالسمن مرتين في اليوم أو ثلاثا ، وأن يلزم المريض غرفته لا يبرحها . ويظهر الوباء بينهم مرة كل ثمانية أعوام أو عشرة ، وهم يفزعون منه أشد من فزع المشارقة من الطاعون ، فيهرب الكثيرون من عدواه إلى الجبال . وقيل لي في مصر إن الجدري أشد خطرا في بلاد الزنج منه في سواها لما في جلودهم من غلظ ، فقد تشتد الحمى لأن الجلد الصفيق يقاوم جهود السم في اختراقه . وقد يكون هذا صحيحا في حالة العبيد الزنوج ، ولكنه ليس صحيحا في بربر حيث جلد القوم في رقة جلد البيض ونعومته . ولم أر من حالات الإصابة بالرمد إلا قليلا ، ويقال إن الأمراض السرية منتشرة بين