جان لوئيس بوركهارت
173
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
وللباب الضبّة والمفتاح الخشبيان المعروفان في الشام ومصر ، ولكنهما هنا أخشن صنعة . ولست أذكر أنني رأيت في الغرف أثاثا ، اللهم إلا أريكة أو سريرا هيكله من الخشب وله قوائم أربع ، فإذا كان مقعده من الجريد فهو سرير ، وإذا كان من سيور رقيقة متعارضة من جلد الثور فهو عنقريب ( والكلمة بشارية ) . وأفضل ضروب العنقريب ما جلب من سنار ، وكثير منه يصدّر للصعيد وبلاد العرب ، واستعماله شائع في كل أرجاء السودان . وإذا أراد القوم الاحتفاء بغريب أتوه بعنقريب حال وصوله يضطجع عليه ليلا ويتكئ نهارا . ولجلده رائحة خاصة تبعد عنه الحشرات فيما يقولون . ويفرشون بالحصير الجزء الداخلي من الغرف التي تنام فيها النساء ، وكذلك الحجر الأخرى التي يقيل فيها الرجال ، والقيولة ترف لا غنى عنه في هذه البلاد . فإذا ناموا فرشوا تحتهم بساطا من قطع الجلد يخاط بعضها ببعض ، وآثروا النوم على غير وسادة شأن العرب ، فيكون الرأس في مستوى سائر الجسم . وتحفظ الذرة في غرفة المئونة ، إما أكواما على أرضها وإما في صوامع من الطين وقاية لها من الفيران . على أن الدار تحفل بالفيران برغم ذلك ، وهي تمرح في الحيشان في وفرة تتيح للصبية أن يمرنوا على قذفها بالرماح فيقتلون عشرات منها كل يوم . وتحتوى غرفة المئونة على أشياء أخرى فضلا عن الذرة ، ففيها بعض القرب المملوءة زبدا ، وفيها القدور من العسل ، وفيها قرب الماء للمسافرين ، وفيها إلى ذلك اللحم المجفف إذا كان رب الدار مبسوط الرزق . ويغلب أن يخصص الحوش الداخلي للماشية من جمال وبقر وغنم ، وفي جانب منه تحفظ سيقان الذرة الجافة يقدمونها علفا للماشية حين يشتد الصيف فيجفف النبات أو العشب الذي أنبته الفيضان . وبالجوش الخارجي في أكثر البيوت بئر ماؤها ملح لا يصلح إلا للماشية . وفي هذا الحوش ينام الذكور والأغراب في الصيف إما على مصاطب من الطين ملاصقة للغرف ، أو على عنقريبات أو على الأرض ، وفيه يعلف آثر الجياد عند رب البيت ، وفيه تصرف الأعمال كلها في العراء « * »
--> ( * ) في الصفحتين 214 و 215 من الأصل أورد بوركهارت عن البغاء في بربر تفصيلات لا تظن أن غريبا بكلّ معاني الغربة كرحالتنا هذا يستطيع أن يكون لديه الخبر اليقين عنها ، وهذه التفصيلات تناقض في نفس الوقت ما أثبته هو عن أخلاق القوم . ولهذا ، وحرصا على ألّا نصيب قوما بجهالة ، آثرنا عدم إثبات تلك التفصيلات في هذه الترجمة . ( غربال )