جان لوئيس بوركهارت
170
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
على الطريق فملأ البرك والمنخفضات وأنبت الكلأ النضر في الوديان . أما نحن فقدرنا للرحلة ثمانية عشر يوما لا تزيد ، وعلى هذا الأساس تزودنا ، لذلك لقينا الأمرين من شح الزاد والماء في أخريات الرحلة ، وعانت الدواب أشد مما عانينا ، ولم أجد لحمارى عليقا سوى العدس طوال يومين كاملين . وعليق الجمل عند التجار اثنا عشر رطلا من الذرة في اليومين أو الثلاثة ، يزيدون عليها عليقا إضافيا للجمل المثقل الذي يحمل ستة قناطير أو سبعة . وكانت الدواب كلها قد أضناها السير ، وظهور أكثر الجمال مثخنة بالجراح « 1 » لثقل أحمالها وجشع أصحابها وإهمالهم ، فقد أرهقوا إبلهم حرصا على دراهم معدودات يبتاعون بها رحالا جيدة الحشو . على أن في طاقة كثير من الإبل أن تؤدى هذه الرحلة ثلاث مرات في الحول ذهابا وإيابا . ولما وصلنا النخيرة سعى كل تاجر في القافلة إلى بيت صديق لخلو القرية من خان يأوى إليه المسافرون ، فلا مندوحة للتجار إذن عن أن يحلوا ضيوفا على أهل القرية . ومضى آل علوان الذين صحبتهم من دراو إلى بيت رجل من أقارب شيخ القرية ، واسم الرجل إدريس تمساح . وكنت لا أزال أنشد المنفعة من وراء صلتي بالقوم ، وكنت أكره أن أختصمهم جهرة ، لذلك انضممت إلى جماعتهم . واستضافنا إدريس هذه الليلة ، وفي الصباح توافد علينا الزائرون أفواجا . والقرية تابعة لإقليم بربر ، ويضم هذا الإقليم فضلا عنها ثلاث قرى كبيرة أخرى إلى الجنوب منها ، فهناك قوز « 2 » السوق وقوز الفونج ، ثم الحصا شمالا ، وتبعد زهاء ثلاثة أرباع الساعة عن النخيرة . وفي صعيد مصر والنوبة يقسمون البلاد وديانا يشتمل الواحد منها على عدد من القرى ، وكثيرا ما يطلق على كبرى هذه القرى اسم الإقليم ، فإذا قالوا بربر عنوا النخيرة في الأغلب ، ولعل لفظ بربر
--> ( 1 ) هذه الجراح شديدة الخطر ، والجرح منها - أو الضبرة كما يسمونه - يكون في كتف الجمل أو ضلوعه الامامية وتسببها الرحال الرديئة . أما إصابات الجمل في غير هذه المواضع فتبرأ بعد أيام من الراحة والاستجمام . ( 2 ) في بلاد الزنج يطلقون لفظ قوز على كل قرية مبنية في السهل الرملي .