جان لوئيس بوركهارت

167

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

الهواء كما رأيته في عاصفة سموم بإسنا ( مايوا 1813 ) إذا نظرت للجو من وراء نظارة صفراء فاتحة . وليس حتما أن تكون السموم مصحوبة بالهبوب ، والمعتدل منها قد يظل الساعات يهب هينا وإن رافقه حر مرهق يزهق الأنفاس ، فإذا أثار الهبوب الغبار ارتفعت الحرارة درجات . وقد سجل الترمومتر درجة 121 في الظل أثناء هبوب ريح السموم بإسنا ، ولكن قل أن يظل الهواء على هذه الحال أكثر من ربع ساعة ، أو أن تستمر حرارته عالية بعد انتهاء الهبوب . وشر ما يبتلى به المرء إذا تعرض للسموم هو احتباس العرق وجفاف الحلق وشعور الإعياء والضيق ، ولم أر أحدا ينبطح على وجهه اتقاء لفحاتها المؤذية كما زعم بروس أنه فعل وهو يعبر هذه الصحراء . على أن العرب كثيرا ما يغطون وجوههم بعباءاتهم في أثناء الهبوب ، وهم يركعون إلى جوار إبلهم خشية أن يدخل الرمل أو الغبار عيونهم فيؤذيهم . وتضيق الإبل بهذه الريح أشد الضيق لا لما تجلبه من حر بل لما تسفيه من رمال في عيونها الكبيرة الجاحظة ، وهي تدير وجوهها وتحاول اتقاء الريح بخفض رءوسها ، ولكني لم أرها تفعل هذا إلا في الهبوب ، وهي فيما خلا ذلك لا تبالى بحرارة الجو مهما اشتدت . وقد وقع لي وأنا مسافر من إسنا إلى أسيوط عام 1813 أن هبت علىّ سموم عاتية في السهل الواقع بين فرشوط وبرديس ، وكنت أمتطى هجينا خفيفا وأنا وحيد لا رفيق لي . وهبت الهبوب فحجبت عن ناظرى كل شئ ، فلم أعد أرى بيوتا ولا أشجارا ، وفيما أنا أحاول إخفاء وجهي بمندبلى جن جنون الهجين لكثرة ما دخل في عينيه من تراب وما وقر في أذنيه من عصف الهبوب وضجيجها ، فأطلق قوائمه للريح ، وأفلت زمامه من يدي فسقطت سقطة مؤلمة ، ورأيتني عاجزا عن تبين الطريق ولو إلى خطوات ، فلزمت مكاني وأنا مدثر بعباءتى حتى هدأت الريح ، فقمت أتأثر خطوات البعير . وما لبثت أن وجدته على بعد كبير واقفا في هدوء إلى جوار شجيرة واطئة وجد في أغصانها بعض الوقاية لعينية من الريح . وقد ذكر بروس ما بهذه الصحراء من قيزان الرمل المتنقلة ، وأنا لم أرها بنفسي في رحلتي ولكني لا أعنى التشكك في صحة ما زعم عنها . وقد أخبرني