جان لوئيس بوركهارت
مقدمة 11
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
( 1 ) لم تكن النوبة هدفه ولا جزيرة العرب وجهته ، ولكن شاءت الأقدار أن يرتبط اسمه بما كتب عن هذه الأقطار . أرسلوه ليكشف عن سر النيجر ، فإذا هو يدفن على ضفاف النيل بعد أن يطوف في أراضي الوطن العربي ثمانية أعوام طوال . لقد أدرك جون لويس بركهارت John Lewis Burckhardt منذ البداية أن الرحلة الجغرافية لا بدلها من أدوات . . . إنها ليست سياحة للمتعة وجمع النوادر ، بل هي دراسة عميقة تحتاج إلى استعداد طويل ، وتتطلب خبرات متعددة ، ومن ثم أنفق خير سنى صباه يتأهب لمهمة لم يمهله المرض حتى يقوم بها فيحقق أحلامه ويبلغ أمانيه . ولكن هذه السنوات الطويلة لم تذهب عبثا ، فقد وهب الشاب قوة الملاحظة والقدرة على سبر أعماق الأمور ، فامتازت كتابته عما شهد في هذه السنوات بالدقة ، وكان لها رونق وفيها عذوبة ، ومع أنه لم يزر أرضا جديدة مجهولة لم يطرقها أحد من قبله ، فإن مذكراته عن رحلاته لم تخل من طرافة ، وحسب بركهارت أنه كان من الرحالة القلائل في عصره ، الذين قاموا برحلاتهم خدمة للعلم . . . لم يكن تاجرا ، ولم يكن داعية حرب ، ولم يذهب في سبيل راية ، أو من أجل التبشير بدين ، وإنما دفعة حب الاستطلاع والبحث عن الحقيقة إلى أن يرحل وأن يسجل ما رأى في هذه الرحلات . وكانت إفريقية حتى أوائل القرن الثامن عشر لا تزال في نظر الغرب قارة شبه مجهولة ، إذ تحكمت ظروفها الطبيعية في حركة الكشف عن أجزائها . إن ساحلها لا يشجع أبدا على اختراقها ، فأجزاء طويلة منه يكاد لا يوجد بها مكان واحد تستطيع السفن أن تلجأ إليه ، ولهذا كانت موانيها الطبيعية قليلة إلا في الشمال . وتظاهر الصحارى وأشباهها نصف سواحل القارة تقريبا ، وتظاهر الغابات الكثيفة معظم الجزء الباقي ، وهي غابات يصعب اختراقها ، بل ربما استحال في بعض الأحيان .