جان لوئيس بوركهارت
163
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
من ورائه خلاصنا والذي كان الرئيس العبادي قد أوصاهم به قبل ذلك بأيام . فاختاروا من أشد الجمال عشرة أو اثنى عشر ركبها من الرجال عدد مماثل ، ومضوا بها حثيثا ليجلبوا لنا ماء من أقرب ضفاف النيل ، ولم تكن تفصلنا عنه سوى خمس ساعات أو ست ، ولكن القافلة لم تكن لتجرؤ على اتخاذ هذا الطريق لأن ضفاف النيل هنا يقطنها عرب من أعداء التجار ، وكان قيام الإبل في الساعة الرابعة عصرا ، وقدرنا لها أن تبلغ النهر ليلا ، وصدر الأمر إلى راكبيها أن يتخيروا من النيل بقعة غير آهلة بالناس ، فيملأوا القرب ويقفلوا راجعين من فورهم . وأنفقنا نحن العشية نهبا للقلق والهواجس ، فلو أن الإبل لم تعد لضاع أملنا في النجاة من الموت ظمأ أو قتلا بسيف العدو الذي سيقتفى خطى الإبل في الصحراء إن رآها ويظفر بنا لا محالة . ولحق بنا بعد الغروب بعض من تخلفوا إلا اثنين ، ثم وصل أحد هذين في صباح الغد ، أما ثانيهما فقد انقطعت أخباره ، وكان خادما لأحد تجار دراو ، ولم يأبه سيده لما أصابه . وجاء في أثناء العشية كثير من الرفاق يسألونني جرعة من الماء ، ولكني أحسنت إخفاء كنزى ، فكنت أريهم قربى الفارغة جوابا . وبتنا أكثر الليل نترقب نتيجة البعثة اليائسة التي أوفدناها ، وقد رانت على صدورنا الكآبة والصمت . وأخيرا طرق أسماعنا في الساعة الثالثة صباحا هتاف رجالنا الذين استقوا لنا الماء ، وسرعان ما أطفأ كل منا غلته بجرعات موفورة من ماء النيل العذب ، وتغيرت حال القافلة فجأة ، وحل التهليل والفرح محل الكرب والترح . وأعد القوم عشاء وفيرا وبات العرب يغنون أغانيهم حتى الفجر دون أن يلقوا بالا إلى مصير ذلك البائس الذي تخلف عن القافلة . وموت المسافرين ظمأ بهذا الطريق أمر نادر الحدوث ، ويبعد أن تقع مثل هذه الكارثة إذا كان بآبار النجيم ماء . . على أن حادثا من هذا القبيل وقع في العام الماضي ، وقد روى لي تفاصيله رجل ذاق عذاب العطش ورأى الموت رأى العين . ذلك أنه في شهر أغسطس أعدت قافلة صغيرة عدتها للسفر من بربر إلى دراو ، وكان قوامها خمسة تجار وزهاء الثلاثين عبدا ومعهم عدد مناسب من الإبل . وقرر التجار أن يسلكوا طريقا شرقية تمر ببئر أواريك خشية أن يسطو عليهم قاطع الطريق نعيم ، وكان في