جان لوئيس بوركهارت

155

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

يسلكوا الطريق العادي ، وأصلح كل منا قربه وخفّيه ، واغتسلنا بماء الآبار البارد فانتعشنا ، ثم استأنفنا الرحلة من جديد والهواجس تعبث برأسى ، فلم تكن دوابنا تحمل من الماء أكثر من مئونة ثلاثة أيام أو أربعة ، ولا سبيل بعدها للهروب من العواقب الوخيمة التي يجرها الظمأ . ورفعت عن حماري القربتين الصغيرتين تخفيفا عنه ، ونقدت أحد العبابدة أربعة ريالات ليحمل لي أربع قرب صغيرة إلى بربر ، وقلت في نفسي لو استطاع الحمار حملى لتحملت العطش يومين على الأقل ، أما إذا خارت قواه وسقط إعياء فسأعجز حتما عن السير يوما كاملا دون أن أشرب في هذا الجو القائظ . وأنفقنا هذا المساء ساعة سلكنا فيها الوادي ، وساعتين عبرنا فيهما أرضا صخرية ووجهتنا الجنوب الشرقي ، ثم نزلنا لنبيت في واد ضيق . وكان الإعياء قد بلغ منى مبلغه ، وكنت أشكو التهابا في عيني منذ بضعة أيام ، وأرقنى التفكير في موقفنا الأليم . وقد سقط هذا المساء جمل محمل بقرب الماء فانكسرت ساقه وتمزقت القرب وانسكب ماؤها ، ونحر القوم الجمل بالطريقة الشرعية فوجهوا رأسه صوب القبلة وقطعوا حلقومه . وتخلف بعضهم ثم لحقوا بنا ليلا وهم يحملون شرائح من لحم الجمل المذبوح . 15 مارس - قمنا قبيل الفجر وأنفقنا ساعة ونصفا سيرا فوق إقليم صخرى ، ثم بلغنا سهلا رمليا فسيحا يدعى قب الخيل ، وفي السهل كثير من الصخور الجرانيتية المنعزلة ، وهي شبيهة في شكلها بالصخور التي وصفتها في 6 مارس . وبعد مسيرة أربع ساعات حططنا عند مدخل وادى طرفاوى ، وهو منسوب لأشجار الطرفاء التي تنمو به . ورأينا الأرض مكسوة بشجيرات السنامكى الجميلة التي بدت لنا في خضرتها ونضارتها منظرا طريفا لا عهد لنا به ، ورأينا ثمر السنامكى قد أنبع واكتمل نضجه فانهالت عليه أسراب الجراد تلتهمه . كذلك ينمو بالوادي كثير من الطرفاء الشوكية وبعض أشجار الدوم ، مما تجعله ألطف وديان هذا الطريق وأشرحها للصدر . ولقد وجدت بالخبرة أن الصحارى النوبية التي يخشى الناس ارتيادها هي على العموم أقل وحشة من بادية الشام ، ومن صحراء السويس والتيه على الأخص ،