جان لوئيس بوركهارت
153
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
وهي مهمة لم أفلح في إقناع أحد الرفاق - حتى أفقر الخدم - في أن يتولاها عنى ولو لقاء إشراكه في طعامي البسيط ، فإذا أتى المساء رأيتني مضطرا لإعادة الكرة وأداء هذه المهمة الشاقة من جديد وأنا مضنى بعد رحلة اليوم ، وهي رحلة كنت أسير فيها على قدمي أربع ساعات أو خمسا لأخفف العبء عن حماري ، وما كان أحوجني بعدها للراحة والاستجمام . ولكن الجوع كان أشدّ من التعب وأقوى ، لذلك لم يكن لي مندوحة عن البحث عن الخشب وقطعه ، وإيقاد النار ، وطهو طعامي ، وإطعام حماري ثم تجهيز قهوتى التي لم يكن لي من سبيل لاسترضاء رفاقى الدراويين إلا تقديم فنجان منها لهم وهم أشوق الناس إلى ارتشافه . على أن راحة الليل كانت كفيلة بردّ قواى ، ولم أعرف من قبل رحلة كهذه كنت فيها موفور العافية جم النشاط على ما تكبدت فيها من مشقات فاقت ما كنت أنتظر . وكان غذاء المسافرين جميعا الفطيرة ، وهي دقيق يمزج بالماء ويعجن ثم يخبز على الصاج ، ويصب عليه السمن أو الشهد أو المرق المطبوخ من السمن والبامية المجففة . أما العشاء فعدس مطبوخ أو خبز بملح يخبز على الصاج أو الرماد ، ثم مرق من البامية أو البصل يصب على العدس أو الخبز بعد تفتيته . وفي الصباح الباكر يفطر الكل على كعكة ببصلة نيئة أو ببعض التمر . وفي العصر عبرنا أرضا جبلية ثم سهلا رمليا ينتهى بواد انتشرت فيه أشجار الدوم فأشاع منظرها البهجة في أفئدة المسافرين . ونزلنا بالوادي بعد مسيرة تسع ساعات ، وحططنا قرب آبار نابه ، وفيما كنا نعبر السهل التقينا بقافلة صغيرة قوامها ثمانية من العبابدة كانوا عائدين من بربر إلى دراو ، وكان معهم زهاء ثلاثين عبدا وعدد من الجمال المحملة ، وهم ينوون بيع بضاعتهم في صعيد مصر . وحمل إلينا هؤلاء العبابدة أنباء لا تسر ، فقد ذكروا أنهم لم يجدوا ماء يذكر في بئرين على طريقنا ، فأما بئر شقرة - إحدى البئرين - فقد نجد فيها بعض الماء ، وأما بئر النجيم البعيدة فالأمل في مائها ضعيف . وقد روعت هذه الأبناء بعض القوم ففكروا في العودة مع قافلة العبابدة ، ولكن الباقين ثنوهم عن هذا العزم . واشترى الدراويون بعيرا قويا من القافلة الأخرى ليحمّلوه ماء ، وأنفقنا الليل كله نتشاور فيما ينبغي أن نعمل . وبوادي نابه آبار خمس أو ست قريبة من بعضها البعض ، والماء