جان لوئيس بوركهارت

148

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

إلى بئر . وكثيرا ما كان العبابدة في هذه الجولات يطوفون بضيوفهم في طرق دائرة ليخلقوا أزمة ماء مؤقتة ، فيبيعونهم قرب الماء بأبهظ الأثمان بعد أن يملأوها سرا من نبع قريب . وفي أزمة من هذه الأزمات المفتعلة قضى المملوك المذكور نحبه ، وقضى معه آخرون دفنوا بقربه . أما سائر الجماعة فقد ظلت أسابيع بوادي حيمور ثم أمروا خدمهم وحشمهم الذين لم يكن لهم بهم حاجة بالرحيل ، وكان من هؤلاء راقصات مصريات بارعات الجمال ، وكان ثمن مفاتنهن قد ارتفع في الجبل بنسبة ارتفاع كافة السلع ، فأصبن بذلك حظا موفورا من المال في أمد وجيز . وألّف هؤلاء الأتباع والخدم الذين صرفهم سادتهم قافلة ، وأخذت القافلة سمتها إلى أسوان بإرشاد خبراء من العبابدة ، وإذا الخبراء يختفون ليلا قبل أن يبلغ الركب النيل بيوم ، حتى إذا انبلج الصباح هاجمتهم فئة كبيرة من العبابدة ، فسلبتهم ما يملكون وجردتهم من ثيابهم ثم أذنت لهم بمواصلة رحلتهم إلى مصر . ويبرر العبابدة غدرهم في هذا الحادث وفي غيره من الحوادث التي سطوا فيها على كثير من المماليك الضالين وفتكوا بهم بأن المماليك كانوا البادئين بالعدوان ، وبأنهم أثبتوا أنهم ليسوا أهلا للثقة ولا للرعاية التي هي حق من حقوق الضيف ؛ فقد ذبحوا ماشية البدو واستباحوا نساءهم . ولعل بعض هذا قارفه المماليك ، ولكنه لا يبرئ العبابدة الذين يعلم القاصي والداني ما في طبعهم من غدر وخيانة . وتنبع آبار وادى حيمور وسط سهل رملى صغير يقوم بين التلال الصخرية . والماء في بئر منها أو بئرين لا بأس بمذاقه ، ولكنه في معظمها زعاق كريه وإن كان يتدفق مدرارا . وعلى حواف الآبار طبقة من النطرون ، وقد رأينا الأرض حول الآبار مغطاة بروث الإبل والخيل المتخلف منذ عسكر المماليك بهذا المكان ، وانتشرت فيه النعال العتيقة وقطع الخيام وخرق الثياب القديمة وسهل حيمور تؤمه جماعات البدو البشارين انتجاعا للكلأ ، ولكنهم يلتزمون بدفع ضريبة سنوية لرؤساء العبابدة لأن الآبار تدخل في نطاق أملاكهم . وكثيرا ما يلتحم الفريقان لهذا السبب ، ولكن العبابدة أصبحوا اليوم أقوى من خصومهم وأشد خطرا ، وهم كذلك أوفر مالا لما بينهم وبين مضر من تجارة . ولا