جان لوئيس بوركهارت
143
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
وقد استفحل أمر هذه الأرجال الشرهة فكانت تنتشر في الجبال أحيانا انتشارا واسعا فتأتي على كل أخضر مورق ، وكثيرا ما تصل ماشية البدو إلى حالة يرثى لها إذا نكبت بغارات الجراد . 7 مارس - خرجنا من الوادي بعد ساعتين ولقينا بعض العرب البشارين وهؤلاء البدو الذين ذكرتهم من قبل في معرض الحديث عن رحلتي لدنقلة يقضون الشتاء في الجبال القريبة من البحر الأحمر ، وهي جبال تحفل بالكلأ عند سقوط الأمطار الشتوية ، فإذا أقبل الصيف اضطرتهم قلة الآبار والعيون إلى الهجرة إلى قرب النيل حيث الآبار موفورة . وكنا الآن نضرب في سهل رملى مكشوف أجرد تقوم إلى شرقيه الجبال الشاهقة وعلى كثب منه إلى الغرب تلال منخفضة . ووادى أم الحبال كله من الجرانيت . ولكني لقيت في هذا السهل الحجر الرملي والمرو مرة أخرى . وقضينا زهاء خمس ساعات في عبور هذا السهل المسمى بركة دخان . وبعد رحلة سبع ساعات من السير الوئيد صوب الجنوب الشرقي وقفنا عند مدخل سلسلة من الجبال الواطئة وجدنا فيها مرعى طيبا وفيرا . ويكثر في هذا المكان تمو أعشاب تدعى الطويلة ، وهي طعام جيد للإبل ، ومذ رحلت عن دراو لم ينقطع الخلاف بيني وبين الرجل الذي ابتاع جملي وحمل عليه بضاعتى . ذلك أنه أخذ على عاتقه نقل بضاعة أخرى لم يكن للجمل بحملها طاقة ، فكان يريد التخفيف عنه بمحاولة وضع بضاعتى على حمازى مع أنه تسلم ثمن نقلها . وأعيا الجمل عن السير هذا المساء ، فرماني الرجل بأنني غششته وبعته بعيرا مهزولا ، وأصرّ على أن أرد إليه نقوده ، ولكنه ما لبث أن عدل عن هذا الطلب . وكان العدل ، والعرف السائد حتى بين التجار أنفسهم ، يقضيان بأن يتحمل الرجل أجر نقل بضاعتى من هذه اللحظة ، ولكنه راح يحلف ويندب حظه على مسمع من الجميع ، وزعم أن الخراب والإفلاس قد حلا به ، وأخذ يحثو التراب على وجهه حزنا وتفجعا حتى رقت له قلوب شيوخ القافلة فانحازوا لصفه ، واضطررت آخر الأمر للاتفاق مع أحد العرب العبابدة على حمل بضاعتى من جديد ، ولما كنا قد سلخنا من سفرتنا ستة أيام فقد خف ثقل الزاد وخف معه حمل الجمل يوما بعد يوم ، وهذا ما يعتمد عليه التجار دائما فلا