جان لوئيس بوركهارت
134
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
يعيش من دخله دون أن يكون له عمل أو مهنة ، فهو إما زارع أو تاجر أو موظف حكومة . فإذا استطاع إنسان أن يعيش دون أن يكون أحد أولئك ، أو دون أن يستجدى ، كان ذلك في نظرهم مبعثا للدهشة والعجب ومثارا للشبهة في أن الرجل يخفى صناديق من الريالات المكدّسة . وألممت مرات بدراو أستطلع أمر القافلة وأتعرف إلى وجوه القوم . وفي منتصف فبراير تقريبا بعث مراسلى بدراو رسولا إلى بإسنا ينبثنى بأن القافلة على أهبة الرحيل ، فانطلقت إلى دراو ، ولكني وجدت التجار يسوفون ويؤجلون . وانقضى أسبوعان قبل أن يصدر الأمر بقيام القافلة . ودراو قرية كبيرة على ضفة النيل الشرقية تبعد عشر ساعات إلى الشمال من أسوان ، وأهلها من فلاحى مصر ومن عرب العبابدة الذين نزل كثير منهم القرى المصرية ، جنوب قفط حتى أسوان وبقي بعضهم بالجبل . وهم يعيشون في الجبل عيشة البداوة طوال الفصل الذي لا تقتضى فيه الزراعة بقاءهم على ضفاف النيل ، أما فيما بقي من شهور السنة فهم يسكنون القرى شأنهم في ذلك شأن الفلاحين المصريين . وللقبيلة شيخان يقيم أحدهما في إقليت الواقعة على ضفة النيل الشرقية على نحو أربع ساعات من دراو شمالا ، ويقيم الثاني في دراو . وقد اشتغل العبابدة من عصور سحيقة خبراء للقوافل التي تعبر صحراء النوبة ، وفيهم كثيرون من كبار تجار الرقيق . ويتقاضى شيوخهم ضريبة على كل رقيق وكل جمل محمل يجتاز الصحراء ما لم يكن ملكا لبدوى من قبيلتهم . أما غير العرب من أهل دراو فهم فلاحون تزوجوا نساء من العبابدة ، وجلهم يشتغل كذلك بتجارة الرقيق . وقد ألفيتهم بعد خبرة مؤسفة صعاليك مملقين يعيشون في ضنك وفاقة على كثرة ما تدره عليهم تجارتهم من ربح يبددونه في السكر والفجور . وكنت قد أخذت عدتي للرحلة وأنا بإسنا . ولكني ما وصلت دراو حتى