جان لوئيس بوركهارت
121
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
جرح غرامة مقررة تدفع غنما أو ذرة ، ولكنها تتفاوت باختلاف العضو المصاب من الجسم ، وهي عادة بدوية قديمة تجدها منتشرة كذلك بين أهالي إبريم مع هذا الفارق ، وهو أن الغرامة يأخذها المجنى عليه لا الأغا . وإذا قتل نوبى أحدا من قبيلة الحاكم ، أو من الغزّ ( وهو لقب المماليك في مصر والنوبة ) أو من أهل إبريم ، فإنه لا يدفع لأسرة القتيل دية لأنه يعد جنديا لا عربيا ، ولكن الحاكم يقتضى غرامته رغم ذلك . وبين الكنوز والنوبيين ، جيرانهم الجنوبيين ، عداء شديد . ويرمى النوبيون الكنوز بالبخل والحرص والغدر ، أما الكنوز فيدعونهم عبيدا قذرين لا يفضلون الزنوج في معيشتهم . وكثيرا ما تلتحم القرى المتجاورة في معارك دموية نتيجة لهذا العداء ، فإذا قتل أحد من الفريقين كان لأسرته أن تقتضى الغرامة المقررة في مثل هذه الحالات ، أو تثأر للقتيل من أسرة القاتل . وأهل إبريم يثأرون لقتلاهم عادة ، ولكنهم لا يقنعون كما يقنع بدو جزيرة العرب بالثأر من أي قريب من عصب القاتل ، في حدود المرتبة الخامسة من القرابة . فلن يقوم مقام القاتل في عرفهم غير أخيه أو ولده أو ابن عمه ، لذلك كثيرا ما تكون النتيجة أن تلوذ الأسرة كلها بالفرار . ويبتز حاكم النوبة الأموال الطائلة بأساليب مختلفة كما قلت ، ولكن جورهم يقتصر على أملاك رعاياهم دون حياتهم ، فهم لا يضربونهم ولا يقتلونهم إلا إذا شقوا عصا الطاعة وجهروا بالثورة عليهم ، وكثيرا ما يفعلون « * » . وإذا هرب نوبى يريدون ابتزاز ماله حبسوا زوجته أو أبناءه الصغار حتى يعود ، وهو إجراء يضج الأهالي بالشكوى منه ، ولا يلجأ إليه حتى القضاة من ولاة مصر والشام ، فهؤلاء يحترمون نساء ألد أعدائهم وأبناءهم . وثمة طريقة فذة ابتدعها حكام النوبة لابتزاز أموال رعاياهم ، ذلك أنهم إذا عرفوا أن لأحد سراتهم فتاة بلغت سن الزواج طلبها الحاكم لنفسه عروسا ، وقلما يجرؤ أبوها على رده ، بل إنه ليزهو أحيانا بهذا الشرف . ولكن هذه المصاهرة سرعان ما تجر عليه الخراب والإفلاس ، لأن صهره القوى يسلبه كل ما يقتنيه بحجة أنه يقدمه هدية لابنته . وهكذا تجد للحكام
--> ( * ) اشتهر عن القبيلة العربية التي يسميها النوبيون أمنلاب [ عون اللاب ] - ولعلها أمة الأب ، لأن نطقهم للعربية ردئ - والتي تسكن القرى المجاورة لقرشة ، مقاومتها للحكام وخروجها عليهم ورجالها أكثر عرب الكنوز استقلالا ، وهم يأبون تزويج بناتهم لأتباع الحكام .