جان لوئيس بوركهارت
115
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
فلم أقدم لهم سوى قرش واحد يتقاسمونه فيما بينهم « * » . ولما أبوا أن يقبلوه ، خلعت ثيابي وسلمتها للدليل ، ووضعت محفظتى في عمامتي ، ثم سبحت إلى الجزيرة . وما إن وطئتها قدماي حتى أسرع القارب خلفي . وما كان أشد اغتباطهم بعد ذلك بأن يعيدونى بالقرش . ولما زرت الجزيرة ثانية بعد يومين ، وجدتهم أقل شططا في مطالبهم . وقد أنبئت بحالات ابتزوا فيها من الزوار أكثر من عشرين قرشا ، وذلك بهديدهم إياهم بالعودة إلى البر وتركهم وحدهم على الجزيرة . والبربا خاضعة لحكام النوبة ، أما زمام أسوان الخاضعة لمصر فيبدأ شمال فيلة . وليس في نيتي أن أعلق بشئ على زيارتي فيلة أو جزيرة البجة المجاورة لها ، فقد تناول هذه الآثار كلها الكتاب الفرنسي العظيم « وصف مصر » تناولا لا يترك زيادة لمستزيد . وعدت إلى أسوان في العشية ، فوجدت . خادمي وقد تطرق إليه اليأس من رجوعي . ولم أكن أصبت من الراحة في رحلتي التي غبت فيها خمسة وثلاثين يوما سوى يوم واحد قضيته بالدر حين بلغتها أول مرة . وكان طوال السفر أضنانى وأضنى بعيري ، فعزمت على الاستجمام أياما ، واستأجرت غرفة في الوكالة ، ومكثت خمسة أيام زرت في أثنائها أرباض المدينة على مهل ، وكان مجرى النهر بين أسوان وجزيرة إلفنتين ، التي كنت أقضى فيها صباحى ، جافا تقريبا . وسوف يعيى السائحين طول البحث عن مقياس إلفنتين ما دامت الأنقاض تغطي ضفاف النيل العالية . أما المقياس الذي بناه معاوية فما زال موجودا ، وهو كوة منخفضة في مستوى النهر في قاعها درجات ، كانت تقاس بها زيادة الماء بسهولة ، وتقع قرب طرف الرصيف الذي يكوّن مرفأ أسوان . وليس هذا الرصيف جسرا رومانيا كما خاله بعض الرحالة ، وإنما هو بناء عربى . وعلى الضفة الغربية إلى الشمال قليلا من أسوان دير قديم يقوم على سفح التل الرملي الذي بنيت على قمته مقبرة القديس المشهورة باسم « قبة الهواء » . وفي الصخور الواقعة تحت الدير عدة معابد ومقابر أثرية منحوتة في الصخر لم يشر إليها أحد من الرحالة . وهي طريفة لعراقتها في القدم ، ويتألف المعبد منها من حجرة
--> ( * ) أجرة المعدية في مصر هي عادة بارة واحدة .