أحمد ايبش
80
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
برزة مدينة بالشام من عمل الغوطة ، كان من أهلها رجل صالح وكان أعور ، قال الرّاوي : قلت له : « ما سبب ذهاب عينك ؟ » . فقال : « أمر عجيب » ، وامتنع أن يخبرني شهورا ، ثم حدّثني قال : جاءني وأنا شاب رجلان ، فدفعا إليّ ثمن غرّارة قمح وقالا : « اعجن لنا كل يوم ربعا ، وأنفق لنا خمسة دراهم في لحم وشيء من الحلوى » . فأقاما عندي جمعة ثم قالا لي : « في قرية برزة واد » ، قلت : « نعم » ، فخرجا إليه نصف الليل وأخذاني معهما ونزلا إلى الوادي ، وكانت معهما دابّة محمّلة ، فحطّا عنها وأخرجا خمس مجامر وأوقدا فيها نارا وجعلا فيها بخورا كثيرا ، وأقبلا يعزّمان والحيّات تقبل إليهما من كل مكان فلا يعرضان إليها ، إلى أن جاءت حيّة نحو ذراع وعيناها تقدان مثل النّار ، فلمّا رأياها استبشرا وقالا : « الحمد للّه ، من أجلها جئنا من خراسان » . ثم قبضا عليها ، ثم أدخلا في عينيها ميلا واكتحلا به . فقلت لهما : « أكحلاني كما اكتحلتما » ، فقالا : « ما يصلح لك » ، فقلت : « لا بدّ من ذلك » ، قالا : « يا هذا ما لك فائدة فيها » ، فقلت : « واللّه لا زايلتكما أو تكحّلاني ، أو لأصرخنّ بالوادي حتى يخرج [ من فيه ] فيؤخذ كل ما معكما » . فلمّا لم يريا لهما مني مخلصا قالا : فنكحّل عينك الواحدة ، فكحّلا عيني اليمنى ، فحين وقع ذلك في عيني نظرت إلى الأرض تحتي مثل المرآة ، أنظر تحتها كما تؤدّي المرآة . ثم قالا لي : سر معنا قليلا ، فسرت معهما وهما يحدّثاني ، حتى إذا بعدنا عن القرية كتّفاني ، ثم أدخل أحدهما إصبعه في عيني فقلعها ورمى بها وتركاني ملقى ومضيا ، فكان آخر العهد بهما . ولم أزل مكتّفا إلى الصّبح ، حتى جاءني نفر من النّاس فحلّوني ، فهذا ما كان من خبر عيني « 1 » . ( الرّوض المعطار ، 87 )
--> ( 1 ) رواية الرّجل يصعب تصديقها ، والظاهر أنها من تلفيقات أهل المطالب ( الكنوز ) .