أحمد ايبش
77
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
وفي صحن المسجد قبّة قد أحكمت صنعتها وأتقنت أشد الإتقان ، فيها فوّارة من نحاس محكمة العمل يفور منها الماء ويرتفع نحو القامة ثم ينزل في حوض رخام بديع . ويستدير بهذه القبّة شباك من حديد ، وسطح الفوارة فسيفساء ، فيه صور غزلان وغيرها من الحيوان ، فإذا أشرفت على الفوّارة وهي مملوءة ماء رأيت منظرا أنيقا . وعند الباب الشرقي من المسجد قبّة في أعلاها قناة رصاص ولها أنابيب من نحاس قد أخرجت من حدود القبّة توقد فيها السّرج ، وفي حيطان المسجد قناة للماء ، بأقفال ينزل ماؤها في حياض رخام في وسط كل حوض عمود من نحاس يندفع منه الماء مرتفعا علوا . وفي أعلى مسجد دمشق قبّة خضراء مشرفة جدا . وجبّانة دمشق في الجنوب منها ، يكون طولها ميلا في مثله . * * * قالوا : ومرّ الوليد بن عبد الملك حين بنى مسجد دمشق برجل ممّن يعمل في المسجد وهو يبكي ، فقال : ما قصّتك ؟ قال : يا أمير المؤمنين كنت رجلا جمّالا فلقيني رجل فقال : أتحملني إلى مكان كذا وكذا ؟ ، موضعا في البرّية ، قلت : نعم ، فلمّا حملته وسرنا بعض الطريق التفت إليّ فقال لي : إن بلغنا الموضع الذي ذكرته لك وأنا حيّ أغنيك ، وإن متّ قبل بلوغي إليه فاحملني إلى الموضع الذي أصف لك ، فإنّ ثمّ قصرا خرابا ، فإذا بلغته فامكث إلى ضحوة النهار ثم عدّ سبع شرافات من القصر ، واحفر تحت السابعة على قدر قامة فإنك ستظهر لك بلاطة فاقلعها فإنك ترى تحتها مغارة فأدخلها ، فإنك ترى في المغارة سريرين على أحدهما رجل ميت ، فاجعلني على أحد السريرين ومدّني عليه ، وحمّل جمالك هذه وحمارتك مالا من المغارة وارجع إلى بلدتك .