أحمد ايبش

7

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى

وإلى جانب سيرة بيپرس ألّف محيي الدّين كتابا آخر عن حياة الملك المنصور قلاوون ، سمّاه : « تشريف الأيام والعصور في سيرة السّلطان الملك المنصور » ، وبعده كتب أيضا : « الألطاف الخفيّة من السّيرة الشّريفة السّلطانيّة الأشرفيّة » ، عن عهد السّلطان الأشرف خليل بن قلاوون ، الذي تولّى السّلطنة عام 689 ه إثر وفاة أبيه السّلطان قلاوون . فعاصر بذلك سبعة من سلاطين الدّولة المملوكية الأولى ، من المعزّ أيبك إلى الأشرف خليل ، وأرّخ لسير ثلاثة منهم . * * * يجمع المؤرّخون على أن الظاهر بيپرس كان واحدا من ألمع شخصيات التاريخ الإسلامي في العصور الوسطى ، قام في سنوات حكمه التي دامت 17 عاما بأعمال باهرة ، فكان المؤسّس الفعلي لسلطنة عظيمة امتدّت من حدود النّوبة إلى نهر الفرات ودامت 275 عاما ( 648 - 923 ه ) . تزامن قيام هذه السّلطنة مع قضاء أمراء المماليك على الحملة الصليبية السّابعة بقيادة الملك لويس التاسع ، إثر معركة المنصورة عام 648 ه ، ثم سحقهم لجيش التّتر في عين جالوت بالغور عام 658 ه ، حيث كان لبيپرس دور كبير كما رأينا أعلاه في نصّ الصّارم . ثم لّما تربّع بيپرس في سدّة حكم دولة المماليك - وهو رجل حرب من الطراز الأول - صمّم على اقتلاع شأفة الفرنجة ، وباشر على الفور في تنفيذ هذا المهمّة دون تلكّؤ . بعد ضربات موجعة في نحرهم ، استطاع أن يستخلص منهم قيساريّة وأرسوف وصفد ويافا وشقيف أرنون وأنطاكية ، فانحسرت إمارة أنطاكية وطرابلس اللاتينية إلى مجرد كونتيّة طرابلس . ثم تمكّن من انتزاع حصن صافيتا وبعده حصن الأكراد ( قلعة الحصن في أيامنا ) وعكّار . فتحت هذه الانتصارات الباب على مصراعيه لتقويض الوجود الفرنجي في بلاد الشام بشكل نهائي ، ففي عام 688 ه فتح المنصور قلاوون طرابلس ، ثم سقطت عكّا - عاصمة « مملكة القدس » وآخر معاقل الفرنجة - بيد ابنه الأشرف خليل عام 690 ه ، لينتهي إلى الأبد الاحتلال الصليبي للمشرق الإسلامي .