أحمد ايبش
21
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
ذكر متجدّدات [ شوّال سنة 669 ه ] في تاسع شوّال كان بدمشق السّيل العظيم « 1 » ، وذلك أنه أتى نصف الظهر فأتى على كل شيء فجعله كالرّميم ، وطلع في خور دمشق قدر رمح وأغرق حيوانات كثيرة على اختلافها ، ودخل دمشق فأفسد عدّة آدر بها ، وأغرق من العالم ما لا يعدّ كثرة ، ومن الخيل والجمال أشياء كثيرة . وما علم أحد من أي جهة كان اجتماعه بغير مطر عظيم ولا أين ذهب ، فسبحان ذي القدرة والعظمة ، واقتلع الأشجار من أصولها . ودخل السّلطان بعد ذلك بأيام إلى دمشق ، فما وجد بها ماء ولا حمّاما تدور ، وشرب النّاس من الصّهاريج والآبار . ويقال إنه هلك بهذا السّيل عشرة آلاف روح ، وأخذ السّيل الطواحين بحجارتها حتى [ كأنها ] ما كانت . وحكي أن فقيرا صالحا حضر إلى دار نائب السّلطنة بدمشق ، يقول : « وعرّفوا الأمير أنني أريد أغدو إلى بعلبك » ، فقال له الأمير : « رح ، إجر » ، وضحكوا منه . فراح وعاد ، وهو ينذر النّاس بالسّيل ، فضحكوا منه وما أحسّوا بالسّيل إلا وقد هجم على ما ذكر . لمّا فرغ السّلطان من هذه الجهات « 2 » ، وترتّب الأمير عزّ الدّين الأفرم وعزّ الدّين أيبك الشيخ للعمارة « 3 » ، رحل السّلطان فوصل دمشق منتصف شوّال ، ورحل منها [ في رابع وعشرين منه ] . ( الرّوض الزّاهر ، 384 - 385 )
--> ( 1 ) حول هذا السيل العظيم انظر ما تقدّم أعلاه في نصّ ابن شدّاد . ( 2 ) كان السّلطان قبل ذلك يقوم بحملاته الحربية المكّوكية بنواحي السّاحل الشامي ، فافتتح قلعة صافيتا le Chastel Blanc من أيدي فرسان الهيكل ( الدّوايّة ) ، ثم حصن الأكراد le Crac des Chevaliers من أيدي فرسان المشفى ( الإسبتاريّة ) ، وبعد ذلك أبرم هدنة مع أصحاب حصني طرطوس والمرقب ، وقصد حصن عكّار قرب طرابلس فافتتحه ، ثم تهادن مع صاحب طرابلس التي كانت أمنع موقع في السّاحل الشامي . ( 3 ) أي عمارة حصني الأكراد وعكّار .