أحمد ايبش

145

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى

وقال الشافعي : عجائب الدنيا خمس : منارة ذي القرنين ، والثانية أصحاب الرّقيم بالرّوم ، والثالثة مرآة ببلاد الأندلس معلقة على باب مدينتها الكبيرة إذا غاب الرجل من بلادهم على مسافة مائة فرسخ وجاء أهله إليها ، يرون صاحبهم من مسافة مائة فرسخ ؛ والرابعة مسجد دمشق ، والخامسة الرّخام والفسيفساء ، فإنه لا يدرى له موضع . قلت : وكذا ذكره الحافظ أبو القاسم ابن عساكر . والفسيفساء مصنوع من زجاج يذهّب ثم يطبق عليه زجاج رقيق « 1 » . ومن هذا النوع المسحور . وأما الملوّن فمعجون . وقد عمل منه في هذا الزّمان شيء كثير برسم الجامع الأموي ، وحصّل منه عدّة صناديق ، وفسدت في الحريق الواقع سنة أربعين وسبعمائة ، وعمل منه قبل للجامع التنكزي ما على جهة المحراب . غير أنه لا يجيء تماما مثل المعمول القديم في صفاء اللون وبهجة المنظر . والفرق بين الجديد والقديم أنّ القديم قطعه متناسقة على مقدار واحد ، والجديد قطعه مختلفة . وبهذا يعرف الجديد والقديم . وروى الوليد بن مسلم عن ابن ثوبان قال : ما ينبغي أن يكون أحد أشدّ شوقا إلى الجنّة من أهل دمشق ، لما يرون من حسن مسجدها . وروى أحمد بن البرامي بسنده عن عبد الرّحيم الأنصاري قال : سمعت الأعراب وهم يدورون المسجد ، يقولون : لا صلاة بعد القليلة . فقيل له : رأيت القليلة ؟ قال : نعم ، وهي تضيء مثل السّراج . قلت : من أخذها ؟ قال : أما سمعت المثل ؟ « منصور سرق القلّة ، وسليمان شرب المرّة » ، منصور الأمير ، وسليمان صاحب الشرطة ، يعني صاحب شرطته . وذلك أن الأمين كان يحب البلّور . فكتب إلى صاحب شرطة متولّي دمشق أن ينفذ إليه القليلة . فسرقها ليلا ، وبعث بها إليه . فلما قتل الأمين ردّ المأمون القليلة إلى دمشق ليشنّع بها على الأمين .

--> ( 1 ) الفسيفساء يونانية : پسيفيدوتون ، ومنها پسيفوسيس : رقم .