أحمد ايبش
142
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
هذه أمّهات الأنهار من بردا وما ينقسم منه « 1 » . على أن كلّ نهر من هذه الأنهار تنقسم منه أنهار كبار وصغار . وتتشعّب من تلك الأنهار جداول ، ثم تتفرّق في البساتين والغيطان لسقي أراضيها وإدارة أرحائها مما لا يكاد يعدّ كثرة . فأما مسجدها الجامع ، فصيته دائر في الدنيا . كان هيكلا لعبّاد الكواكب ، ثم كنيسة للنّصارى ، إلى أن فتحت دمشق على أيدي أبي عبيدة ابن [ ص 166 ب ] الجرّاح وخالد بن الوليد ، رضي اللّه عنهما . فجرى عليه حكم المناصفة ، فوقع نصفه الشّرقي للمسلمين وبقي نصفه الغربي بأيدي الرّوم إلى خلافة الوليد ابن عبد الملك ، فاستخلصه وأتمّه جامعا للمسلمين . فهو بيت عبادة من قديم ، وقد ذكرناه فيما تقدّم « 2 » . ( مسالك الأبصار ، مخطوط متحف طوپ قاپى ج 2 ، ق 3 ، 428 - 440 ) * * *
--> ( 1 ) وصف العمري لأنهار دمشق هام جدا على اختصاره ، وبخاصّة ما يذكره عن ثورا . أما حول اشتقاق أسمائها فنقول : بردى بالآرامية البارد ، وبانياس : بانّا أو بانّاس نهر الحمّام ، وتورا الثور ، وقنوات القصب والقني . وهذا خلاف المشتهر المغلوط . أما يزيد فنسبته معروفة ، والمزّاوي والدّاراني نسبة إلى المزّة وداريّا . ( 2 ) أعود فيما يلي فأنقل هذا النص التفصيلي عن الجامع الأموي ، الذي كان ذكره ابن فضل اللّه في الجزء الأول من كتابه مسالك الأبصار . غير أنني لم أستفض في بداية النصّ بنقل النصوص المطوّلة التي أتى بها المؤلّف عن المصادر السالفة ، كتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ، وذكر الرّوايات والأساطير القديمة . بل أبقيت على ما له صلة بالتاريخ العمراني والأثري للجامع ، وعلى ما له صلة بمشاهدات العمري الشخصية كرحّالة وجغرافي ، يصف ويكتب عمّا يراه بعينه .