أحمد ايبش
136
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
ومنها تخرج أعلام الأمراء وطلائعهم وشعار الطبلخانات . وفي خزائن السّلاح بها يعمل المجانيق والسّلاح والزّردخانات ويحمل إلى جميع الشّام وتعمر به البلاد والقلاع ، ومن قلعتها يجرّد الرّجال وأرباب الصنايع إلى جميع قلاع الشّام ، ويندب في التجاريد والمهمّات . وهي مدينة جليلة ، وقلعتها مرجّلة على الأرض « 1 » ، يحيط بها وبالمدينة أسوار عليّة ، يحيط بها خندق يطوف الماء منه بالقلعة ، وإذا دعت الحاجة أطلق على جميع الخندق المحيط بالمدينة فيعمّها . وهي [ ص 163 أ ] في وطاءة مستوية من الأرض ، بارزة عن الوادي المنحطّ عن منتهى ذيل الجبل ، مكشوفة الجوانب لممرّ الهواء ، إلا من الشّمال فإنه محجوب بجبل قاسيون ، وبهذا تعاب وتنسب إلى الوخامة ، ولولا جبلها الغربي الملبّس بالثلوج صيفا وشتاء لكان أمرها في هذا أشدّ وحال سكانه أشقّ ، ولكنه درياق ذلك السّم ، ودواء ذلك الداء . وهي مدينة حسنة الترتيب ، جليلة الأبنية [ ط 2 / 436 ] بالحجر والخشب . والآجرّ مضبّب بين مداميك البناء بالخشب الملبّن . وأخشابها من خير أخشاب الأرض يسمى الحور ، ينصب في بساتينها ويربّى ويقطع في انتهائه يعطي اللّيان ، فإذا انكسر عود منها يبقى في مكانه متماسكا عدة سنين وأكثر ، ولو أنه متعلق بقدر شعرة واحدة . ولهذه المدينة حواضر فسيحة من جهاتها الأربع ، والماء حاكم عليها من جميع نواحيها بإتقان محكم ، على ما نذكره في صفة نهرها . وهذه المدينة مقسّمة على جوانب الجامع بها ، لا على أنه واسطتها من كل الجهات ، فإن ما بينه وبين نهاية المدينة من القبلة ، وما بينه وبين نهاية المدينة من الشرق ، أوسع مدى مما بينه إلى نهاية المدينة من الجانبين الآخرين الشمالي والغربي . وأشرف هذه المدينة ما قرب إلى جامعها .
--> ( 1 ) أي على مستوى أرض المدينة لانعدام وجود تل تقوم عليه ، مثلها في ذلك قلعة بصرى .