أحمد ايبش
121
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
شهد الصفدي بأن ابن فضل اللّه كان إمام وقته في معرفة الممالك والمسالك وخطوط الأقاليم ومواقع البلدان ، وهذا يبدو أوضح ما يكون فيما كتبه عن مصر والشّام وما عقده من موازنة بينهما . فقد أتيح له أن يعيش فيهما زمنا يبلغ نصف قرن بين 700 - 749 ه ، فتحدّث عنهما حديث المشاهد ووصفهما وصف العارف وتحرّى في كل ما كتبه الصحّة كما قال : « . . . لكوني من أهل هذه البلاد وتحت ظل ملوكها ، وربّيت أنا وآبائي في نعم سلاطينها . فمعاذ اللّه أن أقول إلا الحق ، أو يسطّر عني غير الصحيح ، لا سيّما فيما يتحدّث به جيل بعد جيل » . شرع العمري في تأليف « مسالك الأبصار » لمّا اعتقل وصودر ، أثناء التّرسيم ( أي الإقامة الجبرية ) الذي فرضه عليه السّلطان النّاصر محمد ابن قلاوون بمصر عام 738 ه ودام حتى عام 740 ه . واستمرّ يتابع تأليفه في داره بدمشق بجسر النّحّاس على نهر يزيد ، فمات كهلا عام 749 ه في طاعون دمشق دون أن يتمّه . وجعله في قسمين : الأول في الأرض ، والثاني في سكّان الأرض . ووصف العمري لدمشق جاء في فترة شهدت فيها المدينة ذروة بهائها ونموّها العمراني ، وانتشار الرّخاء والأمن ، خلال عهد النّاصر ونائبه بالشّام الأمير سيف الدّين تنكز النّاصري ، الذي ولي بالمدينة بين 712 - 740 ه وكان من أدنى مقرّبي السّلطان ، ثم تغّير عليه النّاصر وأمر بإعدامه في عام 740 ه . ويتّضح من خلال نصّ ابن فضل اللّه ، أنه قد كتب بعضه أيام تولّي تنكز ، بدلالة قوله : « وقد بنى في هذه السّنين نائب السّلطنة بها على الشّرف القبلي منها جامعا بديعا تليه تربة ضخمة ، ودارا ملوكية » . أما البعض الآخر فقد أتمّه بعد مقتل تنكز ، فهو يذكره في أواخر نصّه عن الشّام ثم يردف بقوله : « رحمه اللّه » . ذكر العمري دمشق موطنه الأم في أماكن عدّة من كتابه ، أبرزها ما تحدّث به عن مسجدها في الجزء الأول ، ثم ما تحدّث به عنها مقايسا إياها بمصر . فعند ذكر القاهرة وأمورها وما فيها من وظائف وزروع وأنهار ورياحين ومبان ومدارس وما يتداول فيها من نقد ، نجده كلّما ذكر ما في مصر أردفه بما كان في الشّام .