عمر بن محمد ابن فهد

1162

الدر الكمين بذيل العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

ويطوف ويخرج يده ، وكان يعطونه كسرة أو كسرتين ، وما كانوا يعرفونه ؛ لأنهم لو عرفوه ربما أعطوه مبلغا من المال ، وكان أكثر مقامه بالحجاز . ورد بغداد غير مرة ، فأول ما لقيته بالمدينة ، وكنت مدة في طلبه إلى أن سهل اللّه رؤيته بحضرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم وجواره ، فاتفق أني سألت عنه فقيل لي إنه يجلس في أكثر الأوقات في الصف الأول « 1 » ، وكان قد جاور تلك السنة بالمدينة لعمارة مسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان بعض الرازية نقد مبلغا من المال لعمارة المسجد ، وكان ينقل الحجارة والطين معهم على سبيل الحسبة ، فلما مضيت إلى الموضع الذي يقعد فيه رأيت ثم شابا ، فسألته عن عيسى فقال لي : ليس هو هاهنا وإيش نعمل به وهو يهرب منكم ، فجئت إلى القبلة وكنت أنظر إلى الدرابزين الذي في القبلة فرأيت من سقوفها واحدا قد أخرج جبة من صوف وطرح نفسه عليها في موضع خراب من القبلة ، فوقع في نفسي أنه عيسى فقصدته ، فقام ولبس الجبة واستقبلني ، وأظن أنه كنّاني بأبي سعد ورحّب بي ولم يكن يعرفني قبل ذلك ولا عرفته ، ثم قال : كنت السنة هاهنا ، وكنت أظن أني أقدر على العمل وأطيق ثقل الحجارة مع هؤلاء الرجال ، ما كنت أطيق ذلك فلست أنا بشيء ، أنا بطال - وأراد بذلك ستر حاله - ثم قال : أريد أن أخرج إلى عين النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأتوضأ ، ومضى وتركني . ثم اتفق أني كنت منصرفا من الحجاز فكنت أمشي بين الجمال عشية من العشاء ، وكان واحدا يزعق لي من وسط الجمال يا با سعد ، فنظرت فإذا هو شيخنا عيسى فرأيته راكبا ، وكان عادته أن يمشي ويقطع البادية ماشيا فقال لي : يا با سعد إن الناس يقولون أن عيسى يقطع البادية على التجريد والتوكل ماشيا حافيا ، وأنا لا أقدر على ذلك لو لم يركبني هذا الرجل جمله ، كنت قد انقطعت ثم غاب عني في وسط الجمال ، ولعله أراد أن يقول : لست أنا كما

--> ( 1 ) في التحفة اللطيفة : الصف الأخير .