عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي
219
الدارس في تاريخ المدارس
جدا ، حتى أنه بلغت الغرارة ألفا وستمائة ، وصار قنطار الدقيق بسبعمائة والخبز كل أوقتين إلا ربعا بدرهم ، ورطل اللحم بسبعة ، وأبيعت الأملاك بالدقيق ، وأكلت القطاط والكلاب والميتات والجيف ، وتماوت الناس في الطرقات ، وعجزوا عن الغسل والتكفين والاقبار ، فكانوا يلقون موتاهم في الآبار ، حتى أنتنت المدينة وضج الناس ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون ، وفي هذه الأيام توفي الشيخ تقي الدين بن الصلاح ، شيخ دار الحديث وغيرها من المدارس ، فما أخرج من باب الفرج ودفن بالصوفية إلا بالجهد الجهيد ، وما صحبه إلى التربة إلا نحو العشرة أنفس رحمه اللّه تعالى . ولما بلغ الصالح أيوب أن الخوارزمية قد مالئوا عليه وصالحوا عمه الصالح إسماعيل كاتب الملك المنصور إبراهيم بن أسد الدين شيركوه « 1 » صاحب حمص فاستماله إليه ، وقوى جانب نائب دمشق معين الدين ابن الشيخ ، ولكنه توفي في شهر رمضان منها ودفن إلى جانب أخيه عماد الدين بقاسيون ، ولما رجع المنصور صاحب حمص عن موالاة إسماعيل الصالح شرع في جمع الجيوش من الحلبيين والتركمان والأعراب لاستنقاذ دمشق من الخوارزمية ومن حصارهم إياها ، فبلغ الخوارزمية ذلك فخافوا من ذلك وعائلته ، وقالوا : دمشق ما تفوت والمصلحة قتاله عند بلده ، فساروا إليه إلى عند بحيرة حمص ، وأرسل الناصر داود جيشه إلى الصالح إسماعيل مع الخوارزمية ، فساق جيش دمشق فانضافوا إلى صاحب حمص ، والتقوا مع الخوارزمية عند بخيرة حمص ، وكان يوما مشهودا ، قتل فيه عامة الخوارزمية ، وقتل ملكهم بركات خان وجئ برأسه على رمح ، وتفرق شملهم وتمزقوا شذر مذر ، وساق المنصور صاحب حمص على بعلبك فتسلمها للصالح أيوب ، وجاء إلى دمشق فنزل ببستان سامه خدمة للصالح أيوب ، ثم حدثته نفسه بأخذها فاتفق مرضه ، فمات في السنة الآتية ، وهي سنة أربع وأربعين ، ونقل إلى حمص ، وتسلم نواب الصالح أيوب بعلبك وبصرى ، ولم يبق للصالح إسماعيل بلد يأوي إليه ولا أهل ولا مال ، بل أخذ جميع ماله ،
--> ( 1 ) شذرات الذهب 5 : 229 .