عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي

44

الدارس في تاريخ المدارس

وناب في الحكم عن ابن الصائغ « 1 » أول ما قدم حلب ، ثم ترك ذلك ، وذكر لي القاضي شرف الدين الأنصاري أنه كان يأخذ العهد على أصحابه أنهم لا يلون القضاء ، ولما ترك القضاء اقتنع ببعض المدارس ، وأكبّ على الاشتغال وأقبل على التصنيف ، فصنف كتابا في المذهب سماه ( قوة المحتاج ) وآخر سماه ( غنية المحتاج ) كلاهما في شرح المنهاج ، ثم صنف ( المتوسط في الفتح بين الروضة والشرح ) يعني شرح الرافعي الكبير في عشرين مجلدة ، وهو كتاب جليل جمع فيه فأوعى ، وتعقب على المهمات للأسنوي ، واختصر ( الحاوي ) للماوردي ، ودرّس بالمدرسة البلدقية بقرب الكلاسة وبالمدرسة الظاهرية وبالمدرسة الأسدية وبدار الحديث البهائية ، وله إعادة بعدة مدارس من مدارس الشافعية ، وتصدر بالجامع للافتاء والتدريس ، وشاعت فتاويه في الآفاق مع التوقي الشديد ، خصوصا في الطلاق ، وكان الشيخ زين الدين الباريني يجمع عنده فتاوى يستشكلها فيأتي الأذرعي فيسأله عنها ، ولم يكن له خبرة بحساب الفرائض ، وقد وقعت له في ذلك أغلاط اعتنى بجمعها فقيه ورد عليهم حلب من مصر يقال له النوي ، وأوقف عليها الشيخ سراج الدين البلقيني والشيخ ضياء الدين القربى فأطلق فيها ضياء الدين لسانه إذ لم يكن عارفا بحقيقته ، وعظم البلقيني شأنه لما يعرف من حاله لكنه كتب أنه لا يصلح للفتوى في الفرائض انتهى . وعرض له في آخر عمره سقطة وصمم شديد ، وكان كثير الاسناد للشعر ، وله نظم على طريقة الفقهاء ، وكانت وفاته عند الزوال من يوم الأحد الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة وصلي عليه بالجامع الأموي بحلب المحروسة ، وتقدم عليه في الصلاة القاضي جمال الدين بن العديم « 2 » الحنفي ودفن من يومه خارج باب المقام تجاه تربة ابن الصاحب والفريب من تربة سودون ، ولم يخلف بعده بتلك الديار مثله . وولي مشيختها السيد الشريف المؤلف المفيد شمس الدين

--> ( 1 ) شذرات الذهب 6 : 123 . ( 2 ) شذرات الذهب 6 : 295 .