محمد كرد علي

339

خطط الشام

مبرأ مما نسب إليّ . وفي سنة ( 1912 ) أقام نفس الوالي الحميدي دعوى على المقتبس وقبض على مديره المسؤول المرحوم أخي أحمد ، وأخذ عالما من علماء المدينة اسمه الشيخ إبراهيم الأسكوبي ، وأرسلهما إلى الآستانة فسجنا مدة ، وذلك بتهمة أن المقتبس نشر قصيدة لهذا العالم تمس الآل السلطاني . والحقيقة أنها تأوهات ونصائح ، وكانت نشرت في جريدة من جرائد الشام قبل أن تنتشر في المقتبس بعشرين يوما . أما أنا فتمكنت من الفرار كالمرة الأولى ، وهبطت مصر عن طريق البر مع تجار الجمال . فدخلت الإسماعيلية بعد سير أربعة عشر يوما ، قطعت فيها الشام من الوسط إلى أقصى تخومها الجنوبية . ثم برئت مما نسب إليّ كالمرة الأولى ، وعدت إلى دمشق بعد ستة أشهر ، وعاد المقتبس إلى الصدور . إلا أن الوالي كان تمكن من إجبار أحد إخوتي على بيع مطبعتنا ، فأباعها بثمن بخس ، فأضيفت الخسارة بها إلى ما خسرناه في إغلاق صحيفتنا السياسية مرتين . ولم يعوض علينا أحد شيئا مما خسرناه . واكتفى المقتبس إلى ذاك الحين باشتراكاته وإعلاناته ومطبوعاته فقط . وقد استقبلت يوم عودتي إلى دمشق كما يستقبل العظماء ، فضحكت من تبدل الرأي العام ، وبالغ بعض من استقبلوني بالحفاوة ، وهم يزيدون على ألفين ، كانوا يوم وقعت في الدعوى ينكرون عملي في انتقاد الحكومة ، ومن قبل كانوا يصفقون ويستحسنون ، وينحنون ويدعون ، فلم أدر وجها لرضاهم ولا لغضبهم ، فكتبت إلى صديقي المرحوم العلامة رفيق بك العظم أقول له : إن القوم لاقوني في دمشق في هذه المرة كما يلاقون الملوك . فلم أفرح لهذا الإقبال ، ولا ساءني ذاك الإدبار ، وعجبت لجنون من ينخدع بالجماعات الذين لا يثبتون بحال على أفكارهم . وفي سنة ( 1913 ) زرت إيطاليا وسويسرا وفرنسا والمجر والآستانة ، وكتبت 33 مقالة في وصف مدنية تلك الممالك . وكان الداعي إلى هذه الرحلة الثانية البحث عن المخطوطات التاريخية التي نقل عنها بالتصوير الشمسي صورا ، الأمير ليوني كايتاني من علماء إيطاليا وعظمائها . وقبل نشوب الحرب العامة ببضعة أشهر وقف والي دمشق المقتبس ، بدعوى أنه نشر عبارة في كشف الحجاب ، وهي منقولة عن الصحف التركية ، والحقيقة أن المقتبس