محمد كرد علي

327

خطط الشام

ذكاء فيهم وتجربة أحرزوها فهان عليهم أن يبيعوها مقابل عرض قليل ومظهر ضئيل . التجسس فيهم فطرة والإزراء بالقومية والوطنية من مألوفاتهم ما أساءوا استعمال ما ائتمنوا عليه إلا ليغتنوا بطرق عرفوها ، ويغنوا أبناءهم ولو كان في ذلك هلاك مئات من الناس . ومنهم أناس كانوا في أخذ المال كالعلقة يمتصون الطاهر وغير الطاهر ثم يفيضون منه على القانع والمعتر ، ويطعمون الطعام ويكسون الأيتام . ومنهم من جمعوا عشرات الألوف ومئات الألوف ولا تجود أنفسهم بدانق لتعليم أطفال الفقراء وإنجاد البائسين وإكساء العراة . وإذا تصفحت جرائد الجمعيات الخيرية التي قامت في العهد الأخير لتعليم اليتامى وإغاثة المحاويج ، لا تسقط فيها إلا نادرا على أسماء بعض أرباب السعة ، بمعنى أن هذه الطبقة كانت أقل الناس في معاونتها . والطبقتان الوسطى والنازلة هما اللتان جمعتا الدرهم فوق الدرهم ، اقتطعتاه من رزق عيالها ، لتطعما به من هم أجوع منها ، وتنشل من السقطة من هم أكثر سقوطا من بنيها . وفي هذه الديار عشرات من الأغنياء يدمجون في سلك الأعيان يعتزون بأموالهم ، ويضنون بها كل الضنانة ، اللهم إلا إذا كان في صرفها إرضاء شهواتهم ، وتوفير أنواع رفاهيتهم . وإذا أشير إليهم أن يشاركوا في المصالح الوطنية لووا وجوههم ، وهزأوا في باطنهم بهذه الأعمال التافهة ، حتى إذا حلت بهم مصيبة أخذوا يستنجدون ولا ينجدون ، ويطلقون ألسنتهم في رجال كانوا بالأمس يقدسونهم ، وأنّى للأمة أن تعرفهم أيام شقائهم ، وهم لم يتعرفوا إليها أيام سعادتهم . هذا وهم أنصار كل حكومة تسوغهم أكل حقوقها وحقوق الضعاف ، وتطلق أيديهم في ظلم الفلاحين والمغفلين ، وتعاونهم في محاكمها على فض قضاياهم بما يتفق مع رغائبهم ، وتوسد إليهم أمورها المنتجة لهم مالا وجاها . في هؤلاء الأعيان رجل كان عنده من أدوات الزينة والتبرج ما يساوي المئات من الدنانير ، وربما كان ثمن ربطات رقبته المعمولة من الحرير لا يقل عن ألف جنيه ، لأن عددها كان ألفي ربطة معروضة في قاعة كبيرة ، وكنت إذا أردته على أن يبتاع جريدة ليقرأها شكا إليك ضيق ذات يده ،