محمد كرد علي
323
خطط الشام
ومنهم من تعلموا في مدارس الدولة المنقطعة وتخلقوا بغير أخلاقهم ، وانحلوا زمنا من قوميتهم فلا يفكرون ولا يتكلمون إلا بالتركية ، ولا يكتبون إن كانوا ممن يحسنون الكتابة إلا بالتركية . فلما تبدلت الحالة السياسية بعد الحرب العامة دفعتهم الضرورة إلى ادعاء العربية وكانوا من قبل يعقونها وهم من أبنائها ، زاعمين أنهم تبدلت أخلاقهم بمجرد الانتقال من دور إلى دور . وليست الأخلاق بذلة تنزعها ، ولا طلاء تزيله وتستبدل غيره به . ولما كان معظم من تعلموا هذه العلوم في العهد السابق من أهل الطبقات النازلة في أصولهم ، كان الموروث لهم والماثل فيهم من الأخلاق مثالا من أخلاق أهل جرثومتهم ، ولذلك هان عليهم ويهون في كل دور أن ينزلوا عن مشخصاتهم لأول طارئ . وهذه الفئة مضرّة بأخلاقها أكثر من الجهال لأنها تعلمت تعليما ممسوخا ظنته كل شيء . ومذ فارقت المدارس التي تفاخر بأنها تحمل شهاداتها ، وكثيرا ما نال شهاداتها المتوسط والغبي ، ظنت أنها قبضت على قياد العلوم وودعت الكتب فصارت ترجع القهقرى في معارفها الأولية وتجلت أخلاقها في كل ما عانته من الأعمال ، فكانت إذا وسد إليها أمر تلتهم الأخضر واليابس ، وإذا بدا لها طمع تهزأ بالفضائل إذا لم تجلب لها السعادة التي تتصورها . رأى المجتمع من سقوط الأخلاق في بعض أهل هذه الطبقة ما تندى الجباه من تسجيله : رأى منهم من يقول ولا يخجل أنه إذا قيل له : إن الحالة الحاضرة ستتبدل بعد عشرين سنة يفكر مذ الآن في أمر راتبه الذي يقبضه من سلك ما كان يحلم أن يحشر في جملة أهله ، ويقول أبدا : اعذروني إذا خدمت أغراض كل صاحب قوة كما يشتهي ، وإذا كنت له آلة في كل ما يحب . هو غني الجيب فقير النفس . جاهل يحشر نفسه في العلماء ، والطبيعة تضعه حيث تريد . ومنهم من جعل رأس ماله في مصانعة ولاة الأمر مهما كانوا والتقرب إليهم بكل حيلة ، لينال مظهرا يظهر به ، لاعتقاده واعتقاد كثيرين أن الشرف كل الشرف في التقرب من الحكام ، وأن كل مجد جاء من غير طريقهم لا وزن له إذا نصبت الموازين ، وهؤلاء المتصدرون أسوأ مثال لمن حولهم .