محمد كرد علي

313

خطط الشام

يستغني بحال عن تعاطي القهوة في كل ساعة فهي نقله وحلواؤه وشرابه المنعش ، وقد يصرف أحدهم ثمن بنّ في السنة أكثر مما يصرف على طعامه ولباسه . وأحب الهدايا إلى قلب البدوي أن تحمل إليه مقدارا من البن . وطعامهم من أسهل الأشياء ، مقصور على بعض الألبان والبرّ والجريش والأقط والعصيدة ، ولباسهم ساذج للغاية وكسوتهم متشابهة : قفطان من القطن ، وعباءة خفيفة ، وزنار عادي ، وكوفية وعقال ، ولا يلبسون في الأعم من حالاتهم قمصانا وصدرا وسراويل ، وأكثرهم حفاة ، ويصطنع بعضهم كسكان وادي موسى نعالا من جلود الأباعر ينيطونها بحبال يدخلون فيها أباهم أرجلهم تعلق بها . قلّ أن تجد في البادية من يقرأ ويكتب ، فقد تبلغ العشيرة ألف نسمة ولا تظفر فيها بمن يكتب جملة . ومن العشائر من تستأجر خطيبا من أهل الحضر يكون معها في مشتاها ومصيفها ، يقرئ بعض أبناء العشيرة القرآن ، وينظر في الأنكحة والطلاق ويعظهم بما يعلم من أمور الدين . وأكثر البادية لا يتطهرون ولا يصلون ولا يصومون ولا يعرفون من الإسلام إلا أن اللّه واحد وأن محمدا رسوله . ولولا هاتان الكلمتان لقلنا إنهم كعرب الجاهلية حذو القذّة بالقذة وقد تصلي بعض القبائل كالروالة ، ولما كان الماء يعوزهم في منتجعاتهم وتنقلاتهم فهم يتيممون صعيدا طيبا ، واللّه يعلم هل يحسن أكثرهم قراءة فاتحة الكتاب ، أو يعرفون بعض سوره الصغار . وما كانت هذه العشيرة تصلي من قبل لولا أن لابسها بعض دعاة الشيعة وعلموا كل فريق منهم إقامة الصلوات ، ولقنوهم بعض معتقدات التشيع من حيث لا يدرون . وقد تديّن اليوم أي دان بالمذهب الوهابي قسم من الروالة لما لحقوا بنجد ، والمذهب الوهابي مذهب محمد بن عبد الوهاب وهو مذهب أحمد بن حنبل بأصوله وفروعه . وإذ كان من الأمور العادية في البادية أن تكون القبائل في خصام دائم ، وهي أشبه بحكومات صغرى تتقاتل وتستعين بالغريب على خصمها ، مست الحاجة إلى قضاة يفصلون بينها في المنازعات ، وقضاتهم منهم يتقاضون عندهم بأجر معلوم ، وأحكامهم سريعة نافذة ، ومن أحكامهم ما هو مطابق للشرع