محمد كرد علي

308

خطط الشام

ويضربونها حيث نزلوا لرعية ماشيتهم ، يحملون معهم أثاثهم وخرثيهم ودوابهم ومؤونتهم ، وهم شاوية يقومون على تربية الشياه والعنز ويربي بعضهم الأباعر ، والشاوية من الأسماء التي تطلق على عشائر دير الزور على الفرات خاصة لأنهم جماعة شياه . ومعاش البدو من مواشيهم وما تدرّ عليهم من السمون والألبان والأجبان والزبد وما يبيعون من نتاج قطعانهم ، أو من غزو بعضهم بعضا إن كانوا أشرارا على الفطرة لم تتدمث أخلاقهم قليلا بالاحتكاك بالمتحضرين ، وإذ كان سكان البادية على هذه الحالة من التنقل وأكثرهم يوغل في الشتاء إلى وسط ديار العرب انتجاعا للكلإ والماء ، أصبح من المتعذر أن تنشأ لهم حالة ثابتة يتأتى معها وصف كل قبيل منهم في عاداته وأخلاقه . وعرب الشام من أصول شتى وقد تتغير أسماء قبائلهم مهما عظمت في كل قرن أو قرنين ، فقد تغيرت أسماء القبائل التي كانت معروفة بدخول الإسلام الشام ، في القرن الثالث أو الرابع ، وما عرف من أسمائها في القرن الثامن أو التاسع تبدل في القرن الحادي عشر ، وهكذا تتبدل أسماء العشائر تبعا للمتأمر عليها ، وقد تسمى القبيلة كلها باسم أميرها أو شيخها . والعشائر كلها تنقسم إلى أفخاذ وبطون ، والإمارة أو المشيخة ترجع على الأغلب لمن كان له أصل قديم من بيته ، أو من كان أذكى قومه جنانا ، وأبسطهم بالكرم يدا ، وأشجعهم يوم النزال قلبا ، وأصلبهم في الحوادث عودا ، ثم تنتقل بالوراثة . وغزو القبائل بعضها بعضا يحول دون بقاء الثروة الناطقة والصامتة فيهم ، فقد تكون القبيلة اليوم في الغاية من طيب العيش ، ناعمة البال بحلالها أي ماشيتها ، فتغزى من الغد في عقر دارها ، فلا تلبث أن تصبح أعرى من مغزل لا سبد لها ولا لبد . دع ما يصيبها من نقص في الأنفس ، فقد كان من النادر أن تجد رجلا بلغ أقصى سن الشيخوخة لأنه يعتبط في الغزوات ، ويقتل في سن الفتوة غالبا . والحكومات الشامية اليوم تحظر على القبائل الغزو ، وهم يخافون سطوتها لمكان السيارات ورشاشاتها في الأرض ، والطيارات وقذائفها في الجو ، وتحاول كل حكومة أن تعطي البادية أرضا تزرعها لتأوي