محمد كرد علي
302
خطط الشام
أن إضراب بعض المشايخ عن القراءة أيام الثلاثاء ، من عادات الصابئة لأن يوم البطالة عند الصابئة يوم الثلاثاء . ومع هذا فقد مدح الدمشقيون منذ القديم كثيرا وهجوا كثيرا . ولعل المادح والقادح لا يخلوان من مبالغة . ومن يتزوج من أهل هذا القطر بامرأة دمشقية يحسب نفسه سعيدا ، فالدمشقيات يتغربن كثيرا ، وما برحت دمشق تضم إليها الغرباء من أهل الكور الأخرى وتتمثلهم وتعيضها عمن يدخل إليها من الرجال بعض نسائها ، يدخلن فيها عادات العاصمة الأموية ، ويمزجن أهل الوطن الواحد من طريق الأسر والبيوت . والبدو والحضر من جميع النحل يؤثرون البنين على البنات ، وكلهم يلدون كثيرا ، ويعيش الأطفال في المدن أكثر من القرى ، للعناية بصحتهم ووجود الأطباء والقوابل . ولولا أن البدوي يولد له كل سنة لانقرض نسله لكثرة الغزو والذبح في الدهر السالف . وجميع نساء القرى من المسلمات في الشام سافرات يعملن مع الرجال في الحقول والمراعي على صيانة لا تبذل فيها ، ما خلا بعض القرى القريبة من الحواضر فإن عادة الحجاب سرت إليهن ، فيلبسن ملاءات من حبر أسود أو أزرق على الأغلب . وفي بعض المدن ملاءات ملونة بأصفر وأحمر معا أو بأبيض فقط . ولكن نساء دمشق خاصة اخترن زيا من الملاءات ومناديل الوجه ، اقتبسنها عن نساء الآستانة أيام كان الحجاب شائعا في نساء الترك . فلما كشف الحجاب في تركيا في العهد الأخير وأصبح زيهن كزي الغربيات ، قبعات على الرؤوس وأثواب قصيرة خفيفة . وزال الحجاب أو كاد عند نساء مصر بالطبيعة لتغلب المدنية عليهن ، بقي نساء حواضر الشام كبيروت ودمشق وحلب وطرابلس حائرات يطمح بعضهن إلى تقليد التركيات والمصريات . ولكن شدة المسيطرين من الرجال ، اضطرتهن إلى الوقوف الآن عند حد حجابهن القديم ، فيظهرن في الشوارع في حبرات سوداء مسدولة إلى أعقابهن ومناديل سود مسبلة على وجوههن ، وقد تكون في المتبرجات شفافة جميلة لا تكاد تحجب الوجوه بل تزينها وتدعو الناظرين إلى إرسال الطرف إليهن . ومنذ هاجر الجركس من القافقاس بعد الحرب الروسية التركية سنة ( 1294 ) إلى الشام وأسكنتهم الدولة العثمانية في بعض قرى منبج وحمص