محمد كرد علي

273

خطط الشام

الحرية سنة ( 1908 ) انتقلوا إلى عكا وزاد أشياعهم قليلا وهم هنا قلائل ربما لم يتجاوزوا المائتين وهم على غاية من حسن الأخلاق وجميل المعاملة قلما شكا منهم إنسان أو اشتكوا هم من إنسان ، ولا تجد بينهم من لا يحترف حرفة ويعمل ويكد . ولا سيما رئيسهم الأخير عباس أفندي فقد كان محافظا على صلواته مع الجماعة لم يخرج في سمته عن روح الشرع الإسلامي . فإما أن يكون صادقا في إسلامه أو أنه عاش في تقية متقنة كما يعيش كثير من أرباب النحل الضعيفة بين المخالفين لهم من السواد الأعظم ، ولا سيما الشيعة بين ظهراني أهل السنة . وكان عباس على علم وأدب إذا تكلم يمزج الفلسفة بالمنقولات فيتعذر على كل إنسان فهم كلامه ، وله خطب ومواعظ انطلق بها لسانه في سياحة له في أوروبا وأميركا دامت خمس سنين ، ويؤخذ من مجموع أقواله أن البهائية أو البابية ترمي إلى تطبيق الشرائع السماوية على العقل وحلّ المشاكل القائمة بين أهل الأديان السماوية الثلاثة اليهودية والنصرانية والإسلام . وقال مرة : إن الباب صاحب المذهب كان يريد التوفيق بين السنة والشيعة . بل كان يرمي إلى وحدة العالم الإنساني ونشر السلام العام والتأليف بين قلوب البشر بقوة الدين وتحكيم العقل والعلم ، ونبذ التعصب الديني والجنسي والوطني والسياسي ، ونشر العلم وإنشاء محكمة عامة كبرى تفصل الخلافات التي تحدث بين الشعوب والدول ، وإلى تربية بني البشر على الفضائل الإنسانية وإلى إقامة القواعد الاقتصادية وتأليف لغة عامة تفهمها جميع الأمم . ويقال على الجملة : إن التشيع كان منشأ البابية والإسماعيلية والنصيرية والدرزية . وكما كانت فارس مثابة كثير من أسباب المدنية الإسلامية كانت أيضا منشأ معظم ما تفرع من الإسلام من النحل والطرق الغريبة . ولو تسامح أهل هذه المذاهب في نشر حقائقها ، لما تقول عليهم المتقولون ، ولا رماهم المخالفون بما قد يكونون منه أبرياء . بقي أن يقال : إن في الشام مذهب اليزيدية عبدة الشيطان ، وممن ينتحلون هذه النحلة قريتان في ضواحي حلب ، ولما كانت جمهرة أهل مذهبهم في جبل سنجار من عمل الموصل لم نخصهم بمبحث خاص لأنهم لا يسترعون الانتباه ويتمثلون على الأغلب في سواد الأمة واللّه أعلم .