محمد كرد علي

185

خطط الشام

بني العباس فلم يؤثر عنها أنه كان فيها خزانة كتب ، ولا عرف أحد من الخاصة بأنه كان مولعا بجمع الأسفار ، فكانت الكتب القليلة التي لهم تجعل في الجوامع أو في بعض دور الخاصة على ما كانت الحال في أكثر المدن الإسلامية . وإذ وقع التدوين في القرن الأول لم يدخل القرن الثاني حتى كثرت الكتب ، وقد ورد في سيرة الزهري المتوفى سنة ( 124 ه ) أنه كان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله مشتغلا بها عن كل أحد ، فقالت له زوجته : واللّه لهذه الكتب أشد عليّ من ثلاث ضرائر . وهذا دليل على تكاثر الكتب حتى صارت للزهري مجموعة منها ينصرف إليها بكليته ، وامرأته تريده على أن يكون لها فقط . وكل هذه الكتب لم تبق الأيام عليها . والغرب كان أمهر منا في الاحتفاظ بما دون فإن أقدم كتاب في أوروبا يرد إلى القرن الثاني للمسيح . ولم يعرف قبل عهد الرشيد والمأمون أن جمعت الكتب في خزانة وسميت دار الحكمة أو بيت الحكمة أو بيت المعرفة . وكانت دار الحكمة أشبه بجامعة فيها دار كتب يجتمع فيها رجال يتفاوضون ويطالعون وينسخون . ويدير شؤون تلك الدور من يثق الخليفة بعقلهم وأمانتهم وعلمهم . كان هذا في القرن الثاني واعتوره في القرن الثالث بعض الفتور ، وظل بيت الحكمة في القرنين الرابع والخامس في بغداد مفتح الأبواب . وأنشأ أحد وزراء العباسيين أبو نصر سابور بن أردشير في القرن الخامس دارا بالكرخ في بغداد سماها دار العلم ، وقفها على العلماء ونقل إليها كتبا كثيرة . وأنشأ الفاطميون في القاهرة دار العلم في القرن الرابع تشبها بالعباسيين في بغداد ، أنشأها الحاكم بأمر اللّه سنة ( 400 ) وفرشها ونقل إليها الكتب العظيمة وأسكنها من شيوخ السنة شيخين . قال ابن قاضي شهبة : وبقي الحاكم كذلك ثلاث سنين ثم أخذ يقتل أهل العلم وأغلق دار العلم . ولم تعهد الشام دار حكمة إلا في القرن الخامس أنشأها بنو عمار في طرابلس . وكان في كل من كفر طاب والمعرة في زمن أبي العلاء المعري خزانة كتب وقد زارهما كما زار خزانة طرابلس . وهذه الخزانة كانت قبل خزانة بني عمار بمدة خلافا لما وهم بعض المؤلفين المعاصرين ، لأن بني عمار لم يستولوا على طرابلس إلا بعد الأربعين وأربعمائة .