محمد كرد علي

174

خطط الشام

آثارنا وآثار جيراننا : ولقد تبين من الحفريات التي أجريت في الشام ومن الآثار التي اكتشفت فيها أن آثارها تختلف كثيرا عما وجد من نوعها في الأقطار المجاورة ، ولا يرجى أن نعثر في هذه الديار على آثار تثير بجسامتها إعجاب العامة قبل الخاصة ، كما هو شأن آثار مصر وآشور وفارس . والسذاجة في الصناعات تغلب على الشاميين منذ القديم ، وهذا ناشئ عن طبائعهم ومعتقداتهم . فالشامي في جميع أدواره التاريخية يميل إلى الساذج ، وهذا يظهر في صناعته وفلسفته الدينية ، وتتجلى في هذه البساطة مواهبه الفنية ، جمع بين الساذج والجميل فأحسن الصنع وأبدع . وتقل الآثار المنقولة النفيسة التي اكتشفت في الشام بالنسبة لما وجد في غيرها من الأقطار ، وهذا القليل يشهد ببراعة الصانع الشامي وذوقه السليم ، حاز بهما مكانة بين أقرانه من فناني بقية الشعوب . وليس معنى قلة العاديات عدم انتشارها في القطر ، بل لأنها لم تصل إلينا لأسباب وعوامل شتى . ذلك أن تربة الشام رطبة لا تحفظ ما يودع فيها . وأن الشاميين قلما يجعلون في مدافن موتاهم نفائسهم ، كما هو شأن المصريين وغيرهم من الأمم القديمة . بل يكتفون بالأشياء الساذجة المنوعة . فإذا أضفنا إلى خلو القبور من الأعلاق ، وما قد كتبه اشمونزار ملك صيدا على تابوته مخاطبا به نابشي القبور ، ناصحا لهم أن لا يهتكوا حرمته ، مؤكدا أن لا ذهب ولا فضة في قبره - ندرك من هذا سرّ ندرتها بين أيدينا . فإذا كان هذا حال ملوكهم فما بالك بالرعية . وخلو القبور منها هو حجة للشام لا عليها ، ودليل على سمو عقيدة سكانها ، ونضج فكرتهم منذ القديم ، لأن الشامي كبقية الشعوب السامية يغلب عليه الاعتقاد بأن الجسم مادة تتلاشى مع الزمن ليست جديرة بالإكرام الذي يبالغ به غيرهم من الشعوب . ومع هذا فقد انتشرت في الشام عادة وضع بعض الأشياء في القبور وذلك بمؤثرات خارجية ، واقتباس عادات الغالب ، والشام في أكثر أدوار تاريخها خضعت لسلطان أجنبي . الشام معهد ثلاث ديانات يدين بها اليوم معظم البشر . وهذه الديانات