محمد كرد علي

171

خطط الشام

نشأة علم الآثار « * » : عنيت الأمم منذ القديم بالفنون الجميلة ، وكان حظ كل أمة من هذا الشأن بحسب رقيها وحضارتها . كان الأفراد يجمعون الآثار ويتنافسون باقتنائها لا لغاية علمية بل للزينة والتفاخر . ودام هذا حالهم حتى سنة ( 1764 م ) لما ظهر كتاب تاريخ الفن عند الأقدمين لمؤلفه وانكمان الألماني ، وهو أول من وضع أسس هذا العلم الحديث . إن علم الآثار القديمة فرع من فروع التاريخ ، ومن أصعبها مراسا ، إذ يحتاج صاحبه إلى قوة انتباه وذوق سليم . فإن هذا العلم لا يقتصر فيه فقط على جمع الآثار القديمة في المتاحف ووصفها ، بل يتطلب حل رموزها وفهم كنهها ، واستجواب تلك الشهود الصامتة ، واستنتاج الحقائق منها . ولقد أصبح النظر في أبحاث علماء الآثار وتحقيقاتهم محتما على كل مؤرخ ومحقق ، ويستنير بها كل لغوي ومفسر . وكم معضلة تاريخية ولغوية حسمت بفضل هذا العلم . وها هي كلمة فرعون التي لا يجهل اليوم الأحداث معناها ، ذهب المتقدمون من علماء اللغة في تفسيرها مذاهب حتى قام علماء الآثار فأظهروا وثائق تثبت أنها لقب كل من ملك مصر . وكم من حوادث جاءت في كتب السلف وفي الكتب المنزلة فذهب الناس في تأويلها ، وشك بعضهم في صحتها ، ولولا علم الآثار الذي أماط عنها اللثام ، وأظهرها للعيان ملموسة محسوسة ، لقالوا : إنها أساطير الأولين . أليست جهود الذين اكتشفوا آثار آشور والكلدان ومصر وفارس ويونان وبعثوا ذكرها بعد أن كانت نسيا منسيا ألوفا من السنين ، شاهدا عدلا على أخبار تلك الممالك . لم يدون الأقدمون غير النزر اليسير الذي وصلهم من أخبار الشعوب القديمة ، وأغفلوا ذكر أكثر الأمم البائدة التي ذهبت أخبارها بزوال أصحابها ، ولو اكتفينا بهذه النصوص المشوهة لما كنا أوفر حظا ممن تقدمنا بمعرفة أخبار السلف ، وبفضل هذا العلم نعرف اليوم أخبار أكثر هذه الأمم ، كما نعرف حوادث الأمم في القرون الوسطى ، وقد توصلوا لمعرفة ما كان عليه الإنسان

--> ( * ) وضع هذا الفصل الأمير جعفر الجزائري .