محمد كرد علي
168
خطط الشام
دور الآثار [ المتاحف والعرب : ] المتاحف العامة على الصورة التي نراها في الغرب لعهدنا ليست مما عهد في هذا الشرق . فإن آثينة منذ الزمن الأطول كان لها متحف دعته رواق الصور . وعرضت رومية أجمل ما أخذته من الصور من آثينة . ولم يكن حتى في القرون الوسطى في أوروبا متاحف . وكانت بدائع الصنائع البشرية تحفظ في دور الملوك وفي قاعات البيع والأديار . حتى إذا كانت القرون الحديثة ونشأ كبار المصورين في إيطاليا وغيرها كثرت المتاحف التي تعرض فيها التصاوير العجيبة ومبدعات العقول والأنامل ، بحيث كاد أن يكون لكل مدينة معرض منها . وأخذت تغص بما يهديها إياه الكبراء والملوك ، ولما كثر الإخصاء عمّ المتاحف أيضا . فصار للأمم العظمى متحف لغرائب الصناعة في النقش ، وآخر في الرسم ، وغيرها في أدوات الحرب ، وآخر في أدوات الزينة ، وغيره في أدوات الموسيقى إلى غير ذلك . ولا نعلم إن كانت للعرب متاحف أيام مدنيتهم على الصورة التي هي اليوم في كل بلد تذوّق الحضارة ، بل كانت متاحفهم في جوامعهم وقصورهم التي اختاروا لنقشها وتزويقها أمهر صناع أيامهم على نحو ما كان في جامع بني أمية في دمشق ، والأقصى في القدس ، وبعض جوامع بغداد والقاهرة ، وفي الحمراء والزهراء في الأندلس ، وفي قصور الخلفاء ببغداد وقصورهم في الأندلس وقصور الفاطميين في القاهرة . وكانت دور العظماء في الشرق كما كانت في الغرب تتنافس في بدائع الصناعة وتجعلها بحيث يراها من يختلفون