محمد كرد علي
8
خطط الشام
المرابطة . والثالث إعداد ما يحتاج الجيش إليه من زاد وعلوفة ، تفرق عليهم في وقت الحاجة حتى تسكن نفوسهم إلى مادة يستغنون عن طلبها ليكونوا على الحرب أوفر ، وعلى منازلة العدو أقدر . والرابع أن يعرف أخبار عدوه حتى يقف عليها ويتصفح أحوالها حتى يخبرها فيسلم من مكره ، ويلتمس الغرة في الهجوم عليه . والخامس ترتيب الجيش في مصاف الحرب والتعويل في كل جهة على من يراه كفؤا لها . ويتفقد الصفوف من الخلل فيها ، ويراعي كل جهة يميل العدو إليها بمدد يكون عونا لها . والسادس أن يقوّي نفوسهم بما يشعرهم من الظفر ، ويخيل لهم من أسباب النصر ، ليقل العدو في أعينهم فيكون عليه أجرأ وبالجرأة يتسهّل الظفر . والسابع أن يعد أهل الصبر والبلاء منهم بثواب اللّه لو كانوا من أهل الآخرة ، وبالجزاء والنفل من الغنيمة إن كانوا من أهل الدنيا . والثامن أن يشاور ذوي الرأي فيما أعضل ، ويرجع إلى أهل الحزم فيما أشكل ، ليأمن الخطأ ويسلم من الزلل . والتاسع أن يأخذ جيشه بما أوجبه اللّه تعالى من حقوقه ، وأمر به من حدوده ، حتى لا يكون بينهم تجوز في دين ، ولا تحيف في حق . والعاشر أن لا يمكن أحدا من جيشه أن يتشاغل بتجارة أو زراعة ، لصرفه الاهتمام بها من مصابرة العدو وصدق الجهاد . ولهم في هذا الباب قوانين مهمة لا تقل في حفظ رابطة الجيش عن كثير من قوانين الجندية في الحرب والسلم في هذا العهد الحديث ، منها أنه لا يجوز إذا نقض العدو عهدا أن يقتل ما في أيدي المسلمين من رهائنهم . فقد نقض الروم عهدهم زمن معاوية وفي يده رهائن فامتنع المسلمون جميعا من قتلهم وخلوا سبيلهم ، وقالوا : وفاء بغدر ، خير من غدر بغدر . ومنها أنه يجوز لأمير الجيش في حصار العدو أن ينصب عليهم العرادات والمنجنيقات وأن يهدم عليهم منازلهم ، وأن يضع عليهم البيات والتحريق . وإذا رأى في قطع نخلهم وشجرهم صلاحا يستضعفهم به ليظفر بهم عنوة أو يدخلوا في السلم صلحا فعل ، ولا يفعل إن لم ير فيه صلاحا . وذكر ابن خلدون أن الحرب أول الإسلام كانت زحفا كلها ، والزحف أن تمشي الفئتان المتقاتلتان كل فئة مشيا رويدا إلى الفئة الأخرى