محمد كرد علي
78
خطط الشام
إلى غير مصالحهم ، فطرأ على المعاملات خلل ، وبسوء تأثير ذلك فسدت أخلاق الناس ، وكثر القتل والنهب والغارة على الأموال والعروض في كل مكان ، واختل الأمن كل الاختلال . قال : وإذا ألقينا نظرة على واردات الدولة نرى الخراج والأموال قد نزل ارتفاعها إلى النصف ، وخرب القطر بالأعشار ، وقلّ البدل العسكري ، وحدّث ما شئت عن بلية « القائمة « 1 » » فمن أجل سقوط أسعارها نزلت الواردات في العام الماضي إلى النصف ، وبقي النصف الآخر في باب النفقات بدون تسديد . وكلام مدحت باشا يشمل ولايتي سورية وبيروت لأن الولايتين في عهده كانتا ولاية واحدة فكلامه يتناول معظم سورية وفلسطين ، وبالطبع كانت فلسطين أقصى الجنوب وحلب في أقصى الشمال على هذه الصورة أو أشد ، لأن روح المملكة كان واحدا ، وهي « المركزية » الشديدة ، وكانت في الدور الذي سلف « لا مركزية » ولكنها أشبه بالفوضى . ولم تتغير الحالة المالية عن عهد مدحت باشا بل ظلت تعسة إلى رحيل الأتراك عن الشام ، وإن كانت الارتفاعات زادت في العقود الأربعة الأخيرة ، لانتشار الأمن في الجملة ، بتأسيس المحاكم النظامية التي قضت على الأشقياء بعض الشيء ، وكفت البادية عن العيث . بعد أن كانت تأتي لأخذ الخوّة من القرى القريبة من الحواضر ، ولزيادة النفوس بقلة الأوبئة وسد العجز المالي ، ولا سيما في الساحل بما أدخله المهاجرون إلى أميركا وغيرها من الشاميين ، فكانوا وما زالوا يحملون إلى هذه الديار أموالا تدخل في تحسين الزراعة والصناعة وتزاد بها الحركة التجارية . وكانت الدولة العثمانية كلما سلخت عنها الولايات النائية تزيد في مقدار الجباية والمظالم ، فالدخل ينقص على الدوام بسلخ الممالك من جسمها ، والخرج يزيد لأن أهل الإستانة عالة على أهل الولايات ، يشقى هؤلاء لينعم أولئك ، ويبنوا القصور ويتمتعوا بالحور والولدان . الاشتطاط في الأعشار والقسط في الجباية : ولم يكف الحكومة العثمانية زيادتها في العشور حتى بلغت ثلاثة عشر إلا
--> ( 1 ) الورق النقدي الذي أصدرته الدولة في حرب روسيا وكان سبب ابتزاز قسم عظيم من ثروة الأمة .