محمد كرد علي
49
خطط الشام
أمر الأمة من خليفة أو سلطان أو ملك أو أمير ، فإذا صلح الرأس صلح الجسد كله . وإذ كانت دواعي الإنفاق محصورة في الداخل ، وكان النقد أقل من هذه الأيام بالطبع ، والتفنن في ضبط الشؤون الاقتصادية لم يبلغ مبلغه في القرون الأخيرة ، وحركة المعاملات والمقايضات محدودة ، وأضعف من العصور الحديثة - كانت المسائل المالية لعهد العرب إلى السذاجة لأول الأمر شأنهم في عامة أمورهم . والجباية أول الدولة كما قال ابن خلدون تكون قليلة الوزائع كثيرة الجملة ، وآخر الدولة تكون كثيرة الوزائع قليلة الجملة ، فإن كانت الدولة على سنن الدين فليست إلا المغارم الشرعية من الصدقات والخراج والجزية ، وهي قليلة الوزائع ، لأن مقدار الزكاة من المال قليل ، وكذا زكاة الحبوب والماشية ، وكذا الجزية والخراج وجميع المغارم الشرعية وهي حدود لا تتعدى ، وإن كانت على سنن التغلب والعصبية فلا بد من البداوة في أولها ، والبداوة تقتضي المسامحة والمكارمة وخفض الجناح ، والتجافي عن أموال الناس والغفلة عن تحصيل ذلك إلا في النادر . قال : والدولة تكون في أولها قليلة الحاجات لعدم الترف وعوائده ، فيكون خرجها وإنفاقها قليلا ، ويكون في الجباية حينئذ وفاء بأزيد منها ، بل يفضل منها كثير عن حاجاتهم ، ثم لا تلبث أن تأخذ بدين الحضارة في الترف ، فيكثر لذلك خراج أهل الدولة ، ويكثر خراج السلطان خصوصا كثرة بالغة ، فيزيد في مقدار الوظائف والوزائع ، ويستحدث أنواعا من الجباية يضربها على البياعات ، ويفرض لها قدرا معلوما على الأثمان في الأسواق ، وعلى أعيان السلع في المدينة . ضروب الجباية : كانت الجباية في الصدر الأول تجمع من الخراج والعشور والصدقات والجوالي « 1 » أي إن لها أربعة موارد رئيسة ، ثم صارت أصول جهات
--> ( 1 ) « الفيء » ما يؤخذ من أرض العنوة « الخراج » ما يؤخذ من أرض الصلح « العشر » ما يؤخذ من زكاة الأرض التي أسلم أهلها عليها والتي أحياها المسلمون من الأرضين أو القطائع -