محمد كرد علي

47

خطط الشام

الجباية والخراج جبايات القدماء : عزّ علينا الظفر بنص صريح في أصول الجباية عند الأمم القديمة التي انبسط سلطانها على هذا القطر ، وغاية ما عرفنا عن الرومان وهي الأمة الأعرق في المدنية من غيرها والتي طال عهدها سبعمائة سنة ، أنه كان يقضى على الشعب الشامي أن يؤدي الجزية وعشر غلاته ، وإتاوة من المال ، ورسما على كل رأس . وللشعب الروماني مواد مهمة من الجمارك والمناجم والضرائب والحقول الصالحة لزرع الحنطة والمراعي يؤجرونها من شركات متعهدين يسمونهم العشارين ، يبتاعون من الحكومة حق جباية الخراج . وفي كل ولاية عدة شركات من العشارين ولكل شركة مستخدمون من الكتاب والجباة يظهرون في مظهر السادة ، ويتناولون أكثر مما يجب لهم أخذه ، ويسلبون نعمة الأهلين ، وكثيرا ما يبيعونهم كما يباع الرقيق . ولما كان الرومان قد جمعوا ثروة الأمم المغلوبة أصبحت الدراهم كثيرة جدا في رومية ، ونادرة جدا في الولايات ، فكان يتيسر في رومية الاقتراض بفائدة أربعة أو خمسة في المائة ، أما في الولايات فلا يقل عن اثني عشر في المائة . وإذا لم يستطع المدين أن يوفي رأس المال ورباه يعمد الصيارف في تقاضي أموالهم إلى الطرق التي يستعملها العشارون . أوجز أحدهم السياسة الإمبراطورية في الرومان بقوله : « الراعي الصالح يجزّ صوف غنمه ولا ينتفه » فمضى قرنان وأباطرة الرومان يكتفون بجز سكان مملكتهم ، يسلبون منهم كثيرا من الأموال ولكنهم يحمونهم من العدو الخارجي .