محمد كرد علي
34
خطط الشام
بالنسبة لتلك الأعصر إلا في عهد الفينيقيين وكان في سائر أدواره مندمجا في الأمم القوية التي امتد سلطانها عليه . العرب والبحار : كان العرب لا يحبون البحار لبعدهم عنها ولما كان يبلغهم من أخطارها . وقد اتفق في أوائل الفتوح أن العلاء ابن الحضرمي عمل أسطولا واجتاز من البحرين إلى فارس ووصل إلى إصطخر ، ودمر الأعداء بأسطوله فقتل كثير من رجاله ، فغضب عمر بن الخطاب لأن هذا العمل لم يكن عن مشورته . ولما كان معاوية على جند دمشق والأردن ألحّ على عمر في غزو البحر ، فكتب الخليفة إلى عامله في مصر عمرو بن العاص يريده على أن يصف له البحر فكتب إليه « يا أمير المؤمنين إني رأيت البحر خلقا كبيرا يركبه خلق صغير ، ليس إلا السماء والماء ، إن ركد خرق القلوب ، وإن تحرك أزاغ العقول ، يزداد فيه اليقين قلة ، والشك كثرة ، هم فيه كدود على عود ، إن مال غرق ، وإن نجا برق » . فكتب عمر إلى معاوية « لا والذي بعث محمدا بالحق لا أحمل فيه مسلما أبدا . . . وتاللّه لمسلم واحد أحب إليّ مما حوت الروم . فإياك أن تعرض لي ، وقد علمت ما لقي العلاء مني ولم أتقدم إليه في مثل ذلك » . وقد علل ابن خلدون امتناع المسلمين عن ركوب البحر بأن العرب لبداوتهم لم يكونوا أول الأمر مهرة في ثقافته وركوبه . والروم والفرنج لممارستهم أحواله ، ومرباهم في التقلب على أعواده ، مرنوا عليه وأحكموا الدربة بثقافته . فلما استقر الملك للعرب وشمخ سلطانهم ، وصارت أمم العجم خولا لهم وتحت أيديهم ، وتقرب كل ذي صنعة إليهم بمبلغ صناعته ، واستخدموا من النواتية في حاجاتهم البحرية أمما ، وتكررت ممارستهم البحر وثقافته ، تاقت أنفسهم إلى الجهاد فيه وإنشاء السفن والشواني ، وشحنوا الأساطيل بالرجال والسلاح ، وأمطوها العساكر والمقاتلة لمن وراء البحر . واختصوا بذلك من ممالكهم وثغورهم ما كان أقرب إلى هذا البحر وعلى ضفته مثل الشام وغيرها .