محمد كرد علي

280

خطط الشام

سوداء منحوتة تنوف على مائتي ألف دار ( كذا ) كل دار منفردة عن الأخرى لا يلاصقها جدر أخرى ، وكل دار فيها حوش وبئر وله باب من حجر إذا أغلق ووضع خلفه حصاة لا يمكن فتحه أبدا من الخارج . ولكننا على مثل اليقين من أن طرز البناء في دمشق هو كما كان منذ بضعة قرون بل منذ دخول العرب الفاتحين وقبلهم بعصور ، وأن هذا الطراز في بناء بيوت دمشق خلاصة أسلوب قديم ارتقى مع الزمن حتى بلغ ما بلغ في القرون الأخيرة ومنه مثال حي من المدارس والرّبط وغيرها في دمشق . قال أحد المهندسين المعاصرين : إن التشابه مؤثر بين هندسة دار قديمة ودار عربية ، فقد كانت الدور تشاد ولا تجعل لها نافذة على الشارع ، ويكتفى بطيقان للتهوية ، ولها فناء داخلي تحف به غرف ومخادع وفي وسط الفناء أو الصحن فوارة أو حوض ماء . لا جرم أن المسلمين قد أخذوا عن الرومان هذا الطراز في البناء الذي ينطبق مع هذا على مناخ البحر المتوسط ، ولا نزال نجد فيه مثالا في الأندلس حيث يسمى الفناء الداخلي باسم « باتنو » أو الفناء المبلط . وكانت دمشق تعتمد في أبنيتها على الحجر غالبا . وزاد الاعتماد على الخشب والطين في الأدوار الأخيرة . قال المقدسي : إن منازل دمشق ضيقة وأزقتها غامة ، وأكثر أسواقها مغطاة ، ولهم سوق على طول البلد مكشوف ، لا ترى أحسن من حماماتها ، ولا أعجب من فواراتها . هذا في القرن الرابع للهجرة . وقال ابن جبير في القرن السادس : إن أكثر أبنيتها بالقصب والطين . وقال ابن فضل اللّه في الثامن : إن غالب بناء دمشق بالحجر ودورها أصغر مقادير من دور مصر ، لكنها أكثر زخرفة منها ، وإن كان الرخام بها أقلّ ، وإنما هو أحسن أنواعا . قال : وعناية أهل دمشق بالمباني كثيرة ولهم في بساتينهم منها ما تفوق به وتحسن بأوضاعه ، وإن كانت حلب أجل بناء لعنايتهم بالحجر ، فدمشق أزين وأكثر رونقا لتحكم الماء على مدينتها ، وتسليطه على جميع نواحيها ، ويستعمل في عمارتها خشب الحور بدلا من خشب النخل ، إلا أنه لا يغشى بالبياض ويكتفى بحسن ظاهره ، وأشرف دورها ما قرب ، وأجل حاضرتها ما هو في جانبها اه .