محمد كرد علي
27
خطط الشام
فيه الشريعة الإسلامية التي لا تجيز للملك أن يكره الذميين على استرقاق أولادهم ، واتبعوا فيه العرف والمصلحة ، ثم دخل فيه سوء الاستعمال في القرن السادس عشر على رأي موردتمان ، وذلك بأن أخذوا يتساهلون بإدخال أناس من المسلمين واليهود والنور ، فأخذ جيش الإنكشارية يشبه جيشا من الأسرى على الأصول الإفريقية الجديدة ، وكان ذلك من أسباب تسرّب الفساد إليه . كان عدد جيش الإنكشارية لأول تأسيسهم ستة آلاف جندي وقيل ألف جندي ، ثم جاوزوا المائة ألف وقائدهم العام « آغا » الإنكشارية ، وهم يقسمون إلى كتائب وتتألف كل كتيبة من مائة إلى خمسمائة مقاتل ، يعلّمون في الولايات على الكرّ والفرّ ويستخدم بعضهم في خدمة الولاة أو في مزارع أرباب الإقطاعات أو في حوانيت أرباب الصنائع ، ويعيش أفراد هذا الجيش من مياوميات طفيفة وهي « اقچه » واحدة لكل فرد في اليوم ، وتزيد إذا أثبت المقاتل في الحرب كفاءة ، ويقبضون ذلك مرة كل ثلاثة أشهر بأبهة وطنطنة ، وتوزع الإقطاعات على المبرزين منهم من الضباط وغيرهم يعيشون بها زمن السلم ، ويقضى عليهم في الحرب أن يجهزوا أنفسهم على نفقتهم . وكان أغلب الإنكشارية في الولايات من الفرسان وفي العاصمة من المشاة . وسلاح المشاة الدروع والمغافر والأتراس والخناجر مما يخف حمله ، وسلاح الغارات السيوف والرماح والحراب والمعاول يستعملونها في القرب ، ويستعملون في البعد الرماح والبنادق والغدارات . وأسلحة الفرسان سيوف مستطيلة وبنادق بفتيل وبنادق بصوان وغدارات وقفافيز من حديد . وقد استعمل العثمانيون أسلحة نارية تشبه المدافع في وقعة قوصوة المشهورة . وكانت المدافع والمكاحل في عسكر السلطان سليم على مرج دابق من أسباب ظفره بجيش المماليك لأن هؤلاء كانوا خلوا منها . قال أحمد رفيق : ولقد كان العثمانيون يستعملون من السلاح ما خف محمله حتى إن نعال خيولهم كانت على غاية الدقة وذلك لتسير سيرا سريعا . وكانوا يبدون مهارة فائقة في التقدم وكشف قوة العدو والإحاطة به وتعجيزه .