محمد كرد علي
261
خطط الشام
أصوات عجم إذا قاموا بقربتهم * كما تصوّت في الصبح الخطاطيف فاليوم فيه صلاة الحق ظاهرة * وصادق من كتاب اللّه معروف فيه الزبرجد والياقوت مؤتلق * والكلس والذهب العقيان مرصوف ترى تهاويلهم من نحو قبلتنا * يلوح فيه من الألوان تفويف يكاد يعشي بصير القوم زبرجه * حتى كأن سواد العين مطروف وفضة تعجب الرائين بهجتها * كريمها فوق أعلاهن معطوف وقبة لا تكاد الطير تبلغها * أعلى محاريبها بالساج مسقوف لها مصابيح فيها الزيت من ذهب * يضيء من نورها ( لبنان ) و ( السيف ) فكل إقباله - واللّه زينه - * مبطن برخام ( الشام ) محفوف في سرة الأرض مشدود جوانبه * وقد أحاط بها الأنهار والريف فيه المثاني وآيات مفصلة * فيهن من ربنا وعد وتخويف ومن أجمل ما وصف به جامع دمشق قول ابن منقذ الكناني من قصيدة : وكأن جامعها البديع بناؤه * ملك يمير من المساجد جحفلا ذو قبة رفعت فضاهت قلة * ومنابر بنيت فحاكت معقلا تبدو الأهلة في أعاليها كما * يبدو الهلال تعاليا وتهللا ويريك سقفا بالرصاص مدثرا * يعلو جدارا بالرخام مزملا قد ألّف الأقوام بين شكوله * فغدا الرخام بذاته متشكلا لم يرض تجليلا بجص فانبرى * بالفص يعلو والنضار مجللا يغشى سوام اللحظ في أرجائه * من عسجد أرضا ومن فص خلا فإذا تذر الشمس منه تخاله * يلقا تألق أو حريقا مشعلا فكأنما محرابه من سندس * أو لؤلؤ وزمرد قد فصلا وتخال طاقات الزجاج إذا بدت * منه للحظك عبقريا مسدلا تبدو القباب بصحنه لك مثلما * تبدو العرائس بالحليّ لتجتلى وعلت به فوّارة من فضة * سالت فظنوها معينا سلسلا وببابه حركات ساعات إذا * فتحت لها باب تراجع مقفلا ويريك باريها وكل قد رمى * من فيه يقذفه يصيب سجنجلا وظل الجامع بحاله بهجة النظار والسفار ، ومفخر دمشق على غابر الأعصار ،