محمد كرد علي

258

خطط الشام

وكانوا يصلون إلى جهة القطب الشمالي وكانت محاريبه تجاه الشمال وبابه يفتح إلى جهة القبلة خلف المحراب ، وهو باب حسن عن يمينه ويساره بابان صغيران بالنسبة إليه ، وكان غربي المعبد قصر منيف جدا تحمله هذه الأعمدة التي بباب البريد وغربيه قصر جيرون ، داران يكونان لمن يتملك دمشق قديما فهو أقدم معبد . وقال شيخ الربوة : إن له نحو أربعة آلاف سنة وهو معبد . ولما فتح المسلمون دمشق أخذوا من النصارى النصف الشرقي من هذه الكنيسة التي كانوا يسمونها كنيسة ماريوحنا ، وكان المسلمون والنصارى يدخلون من باب واحد وهو باب المعبد الأصلي في القبلة فينصرف النصارى إلى جهة الغرب والمسلمون إلى الشرق . وكان لا يستطيع أهل الإنجيل أن يجهروا في قراءته بكنائسهم ولا يضربوا بناقوسهم إجلالا للصحابة . فلما أخذت أصواتهم ترفع في صلواتهم أحب الوليد أن يبعدهم عن المسلمين فعوضهم عنه أربع كنائس أخرى . وقيل : إنه بذل للنصارى فيه أربعين ألف دينار فلم يريدوا أن يأخذوها فأخذها كما قال ابن العميد . واحتاج الوليد إلى صناع كثيرة فوجه إليه ملك الروم بمائتي صانع . وحكى الجاحظ في كتاب البلدان أنه كان مبنيا على الأعمدة الرخام طبقتين : الطبقة التحتانية أعمدة كبار ، والتي فوقها صغار ، في خلال ذلك صورة كل مدينة وشجرة في الدنيا بالفسيفساء الذهب والأخضر والأصفر ، وفي قبلية القبة المعروفة بقبة النسر ليس في دمشق شيء أعلى ولا أبهى منظرا منها ، ولها ثلاث منائر إحداها وهي الكبرى كانت ديدبانا للروم وأقرت على ما كانت عليه وصيرت منارة . وروى البرزالي أنه كان ابتداء عمارة جامع دمشق في أواخر سنة ست وثمانين وتكامل في عشر سنين . وكان الفراغ منه سنة ست وتسعين وفيها توفي بانيه الوليد بن عبد الملك وقد بقيت فيه بقايا من الزخرفة فكملها أخوه سليمان بن عبد الملك وجددت فيه أشياء أخر ، فمن ذلك القبة الغربية التي في صحنه ويسميها الناس قبة عائشة ، وغالب ظني أنها بنيت في سنة ستين ومائة في أيام المهدي ، وأما القبة الشرقية التي في صحنه تجاه مشهد علي بن الحسين فعمرت في أيام المستنصر العبيدي في سنة خمس