محمد كرد علي

235

خطط الشام

صف يبلغ 375 عمودا ارتفاع كل منها 17 مترا وقد تهدم معظمها فلم يسلم منها سوى 150 عمودا . ويخترق هذا الشارع من منتصفه شارع آخر على شاكلته وعند ملتقاهما يؤلفان مصلبا وكان على مقربة منه تمثالا أذينة وزنوبيا . وفي منتصف كل عمود ركيزة قامت عليها تماثيل مشاهير حكامها والصالحين من رعيتها . ولم يزل مدخلها المدينة الشرقي قائما وله منظر رائع ومرأى جميل . وما خلا ذلك من الأنقاض المتراكمة الباقية والأعمدة والأحجار المنحوتة مبعثر مشتت عرف بفضلها أصحاب الهندسة تخطيط أبنية المدينة وهندسة شوارعها وأزقتها . إن قبور تدمر مبعثرة حول البلدة ومعظمها في الجهة الغربية في واد يعرف بوادي القبور لكثرتها فيه . وهي على نوعين : منها ما هو قائم على شكل أبراج مربعة في ثلاث أو أربع طبقات منقسمة حجرا وفي جدرانها القبور . والنوع الثاني كهوف نقرت في الصخر على سفح الجبل وهي ذات إيوانين أو ثلاثة ، ومن القبور ما هو في الجدر ومنها ما هو على شكل النواويس ويختلف عدد القبور في كل مدفن بين العشرين والسبعين وهو ملك أسرة واحدة أو أكثر . وكان لأبناء الأسر في تدمر عناية خاصة بمدافنهم يتنافسون بإتقانها وزخرفتها ومنها ما هو أشبه بقصور منها بقبور . وكل هذه العناية لحرصهم على راحتهم في دار البقاء كما تنص على ذلك رقمهم القبرية اه . أقام الرومان بين دمشق وتدمر إلى الفرات اثنين وخمسين حصنا أو قلعة . يبعد كل منها عن الآخر ثلاث ساعات . ولا شك في أن الحرس الروماني كان في بعضها . وبنى الرومان عدة حصون على الطريق الممتد بين بصرى ودمشق ليأمنوا عيث البادية وطريقا من صرخد إلى البصرة وطرقا من حوران إلى البلقاء إلى عقبة أيلة وما إليها ، وكان ذلك في أيام عظمتهم . قال أحد علماء الهندسة من الفرنج : إن الرومان لما أصبحوا سادة الأرض وأمسى معهم جميع الشعوب بمثابة العبيد عدلوا وهم في أوج عزهم عن أعمال في العمران كان فيها عزهم ونجاحهم واستسلموا إلى الكسل وإضاعة الأوقات . وبعد أن فتحت زينب أو زنوبيا سلطانة تدمر المشهورة القطر المصري عمرت الأبنية التي جلبت إليها الأمم من أقطار الأرض ولا سيما اليونان .