محمد كرد علي
16
خطط الشام
حتى إذا استقللتم من معسكركم ، وتوجهتم من منزلكم ، سرتم على تعبيتكم بسكون ريح ، وهدو جملة وحسن دعة . . . « إياك أن يكون منزلك إلا في خندق أو حصن تأمن به بيات عدوك ، وتستنيم فيه إلى الحزم من مكيدته ، إذا وضعت الأثقال ، وخططت أبنية أهل العسكر لم يمد خباء ، ولم ينتصب بناء ، حتى يقطع لكل قائد ذرع معلوم من الأرض بقدر أصحابه فيحتفروه عليهم ، ويبنون بعد ذلك خنادق الحسك ، طارحين لها دون أشجار الرماح ، ونصب الترسة . لها بابان قد وكلت بعد بحفظ كل باب منهما رجلا من قوادك في مائة رجل من أصحابه . فإذا فرغ من الخندق كان ذلك القائدان أهلا لذلك المركز . . . وإياك أن يشهروا سيفا يتجالدون به ، وتقدم إليهم فلا يكون قتالهم بالليل في تلك المواضع من طرقهم إلا بالرماح مسندين لها إلى صدورهم ، والنشاب راشقين به وجوههم ، قد ألبدوا بالترسة ، واستجنوا بالبيض ، وألقوا عليهم سوابغ الدروع ، وجباب الحشو ، فإن صد العدو عنهم حاملين على ناحية أخرى ، كبّر أهل تلك الناحية الأولى وبقية العسكر سكوت ، والناحية التي صدر عنها العدو لازمة لمراكزها ، فعلت في تقويتهم وإمدادهم بمثل صنيعك بإخوانهم . وإياك أن تخمد نار رواقك ، وإذا وقع العدو في معسكرك فأججها ساعرا لها ، وأوقدها حطبا جزلا ، يعرف بها أهل العسكر مكانك وموضع رواقك ، ويسكن نافر قلوبهم ، ويقوى واهن قوتهم ، ويشد منخذل ظهورهم ، ولا يرجفون فيك بالظنون ، ويجيلون لك آراء السوء . وذلك من فعلك رد عدوك بغيظه ، ولم يستقل منك بظفر ، ولم يبلغ من نكايتك سرورا إن شاء اللّه اه » . هذا وقد كانت الشام على عهد أوائل العباسيين كما كانت في العهد الأموي تخرج جندا لغزو الصوائف والشواتي أي حروب الصيف والشتاء الموجهة إلى الروم . وإن كانوا في جهادهم على الأكثر لا فرق عندهم في الفصول يصيفون ويشتون ويرتبعون ويخرفون . ذكر المؤرخون أن المأمون أقطع أخاه أبا إسحاق المعتصم الشام ومصر وفرض على دمشق وحمص والأردن 4000 جندي لغزو الصائفة . وذكر