محمد كرد علي
121
خطط الشام
أن تشرع بمحاسبة النظار ، تناقشهم الحساب ، فتبدأ بالأقوياء منهم ، وتغلظ عليهم ، وتكرههم على إبراز كتاب الواقف الأصلي المسجل بحكم الحاكم الخالي من شائبات التحريف والتبديل ، الحالي بتوقيع أو خاتم القاضي الحاكم بصحته ، فيما إذا فقدت سجلاته ، وأن لا تعتبر الصورة المنقولة عن أصله لأنها عرضة للتحريف والتبديل ، كما يقع ذلك من النظار الخائنين . وإذا أبرز الناظر على وقف كتاب الوقف الأصلي ، يعثر ديوان الأوقاف في الأغلب على موارد أموال غزيرة مختلسة ، وعلى مساجد ومعاهد دارسة ومدارس مندرسة ، كما يعثر عرضا واتفاقا من يحفر بئر ماء على كنز ثمين أو ركاز دفين ، وإذا امتنع الناظر من إظهار كتاب الوقف يستفيد ديوان الأوقاف من اعتبار الوقف من قبيل ما انقطع ثبوته ، واشتبهت مصارفه ، وجهلت شرائطه ، لعدم وجوده في سجلات القضاة ، وما كان كذلك يتحول إلى الإسعاف العام ، ما لم يبرهن المرتزقة على استحقاقهم بإثبات الوقف وشروط الواقف ونسبتهم إليه أو إلى الطائفة الموقوف عليها . وأرى أن تتخلى المفوضية العليا في بلاد الانتداب الفرنسي عن التدخل بأوقاف المسلمين بواسطة مستشارها الفرنسي المستمد منها نفوذه مباشرة ، فإنه لا فرق بين هذا التدخل وبين التدخل بشؤون الصلاة والزكاة والصيام والحج ، لأن الولاية على الأوقاف الخيرية ولا سيما الدينية المحضة هي من القضايا الشرعية الصرفة ، فلا فرق والحال هذه في الحظر بين إمامة النصراني المسلمين بالصلاة ، وبين ولايته على أوقاف مساجدهم ومعابدهم . وهذا الحظر غير محصور بالإسلام بل هو من ضرورات جميع الديانات . فإن النصرانية مثلا تحظر أن يتعاطى أحبار المسلمين ومشايخهم ما يتعاطاه أساقفة النصارى وقسيسوهم من التعميد والتكليل والتكريس والحرمان والغفران ، كما تحظر ولاية المسلمين الموحدين على أوقاف كنائس النصارى المثلثين وأديارهم ، وهذا سر إحجام الدولة العثمانية المسلمة عن التدخل بأوقاف اليهود والنصارى من رعاياها ، وتركها إدارة أوقافهم والولاية عليها لمجالسهم الطائفية . فالواجب على حكومة الانتداب أن تترك المسلمين في هذه الديار طلقاء التصرف في أوقافهم وتقصر عنايتها على الإرشاد في الشؤون المدنية .